فهرس الكتاب
هناك ثقافة أمة من أمم الدنيا تعيش منعزلة منفردة، لا في العصور القديمة ولا في العصور الحديثة، ويمكنك أن تتوسع في المفهوم فتقول: ليس ثمة حضارة تنهض وتزدهر دون أن يكون لها تماس وتفاعل مع الحضارات المجاورة والمعاصرة، فحتمية التطورات الاجتماعية تحتم قيام (التداخل الثقافي) ، فثقافات الأمم لا تعرف الحدود السياسية ولا الحواجز الإقليمية، وإنما لديها من قوة النفوذ أن تعبر الحدود السياسية بلا استئذان ومن غير جوازات سفر، وتنساح فوق الخرائط الجغرافية من دون عَنَتٍ أو مشقّة.
لقد عُرِفَ التداخل الثقافي في حضارات الأمم السالفة في غابر الأزمان، أيام كانت حركة التواصل بين الأمم والقارات بطيئة ثقيلة، أما في زمنٍ مثل زمننا الذي غدت فيه سبل الاتصالات تفوق التصور في السرعة واختصار الزمان وطيّ المكان، فأصبحت الثقافات أكثر تداخلًا، وأشد تفاعلًا.
حول مفهوم (التداخل الثقافي) عُقد مؤتمر دولي في قصر الأمم في الجزائر في الفترة بين 2 -6 مايو 2005 تحت الرعاية السامية ورعاية اليونسكو، نظمته جامعة الجزائر والجمعية الدولية للبحث فيما بين الثقافات (Aric) ، شارك فيه أكثر من أربعمئة باحث ينتمون إلى أكثر من تسعين جامعة، وتمحورت أبحاثه المقدمة باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، حول الثقافة والحضارة ومعطيات المعرفة وعصارات العلم، ومستجدات التكنولوجية، وغابت عنه الحساسيات السياسية والتأزمات الأيديولوجية، وعلى الرغم من أن حفل افتتاح المؤتمر قد تُوج بكلمة من راعي الحفل الذي يتصدر أعلى قمة في المستوى السياسي في دولة الجزائر، ولكنّ كلمته ظلت في سياق المؤتمر وروح أبحاثه، تتميز بالعلمية والشفافية، والتوجه المتطلع لثقافة جزائرية وعربية واعدة، تتماشى مع متطلبات العصر، وتتسم بالانفتاح على ثقافات الدنيا، مع الحفاظ على الهوية الوطنية، والدعوة إلى التسامح والوئام على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي والإنساني.