فهرس الكتاب
أحد الشعراء المخضرمين بين الجاهلية والإسلام، واسمه سُحيم، وكان عبدًا أسود نوبيًا أعجميًا، اشتراه بنو الحساس، وهم بطن من قبيلة بني أسد، وكان ينطق العربيّة بلكنة نوبية، ولكنه أوتي ملكة الشعر، فكان إذا أنشد يبدي إعجابه بشعره فيقول: أهشنت والله، مكان: أحسنت.
يقال إنه أدرك النبي عليه الصلاة والسلام وإنه تمثل بشطر من شعره ولكنه قدّم وأخر في الكلمات وأنقص من لفظه فاختل الوزن قال عليه الصلاة والسلام:
كفى بالإسلام والشيب ناهيًا
فقال له أبو بكر: يا رسول الله، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا.
ولما لم يستقم للرسول ( روايته على وجهه قال له أبو بكر: أشهد أنك رسول الله (وما علمناه الشعر وما ينبغي له( [سورة يس الآية 69] .
وكان سُحيم يدفع عن نفسه معرّة السواد بما يتحلى به من حميد الخصال نحو قوله:
إن كنت عبدًا فنفسي حرّة كرمًا ... أو أسود اللون إني أبيضُ الخُلق
وكان، على سواد لونه وضعة أصله، يتغزل بالنساء الحرائر ويهجو الأشراف، وقد تنبأ عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، بقتله حين سمعه، مرّة ينشد متغزلًا:
توَسّدني كفًّا وتثني بمعصم ... عليّ وتحوي رِجلها من ورائيا
فقال له عمر: ويلك، إنك مقتول.
وقد اجترأ سحيم على التشبيب بنساء مواليه وقال أبياتًا يشبب فيها بأخت مولاه، وكانت عليلة، وأولها:
ماذا يريد السَّقام من قمر ... كلّ جمال لوجهه تَبَعُ
فلما أفرط في التغزل بنساء مواليه ووصف محاسنهن الظاهرة والخافية عزموا على قتله، فلما قدموا به ليقتلوه لم يمنعه موقفه وهو على شفا الهلاك من قول بيتين يظهر فيهما استهانته بالموت ويفخر بما صنعه بنساء مواليه، قال:
شدو وثاقَ العبد لا يفلتكم ... إن الحياة من الممات قريبُ
فلقد تحدّر من جبين فتاتكم ... عرقٌ على متن الفِراش وطيبُ
فحفروا له أخدودًا وألقوه فيه ثم ألقوا فوقه الحطب فاحرقوه [1] .
ـ 3 ـ
قيس بن الخَطيم
(1) الأغاني، الأصبهاني، 22/305.