فهرس الكتاب
فعزم المهدي على قتله لهجائه إياه ولشعره الماس بالعقيدة الإسلامية والدال على زندقته، فقدم إلى البصرة متعللًا بالنظر في أمورها، ولكن غرضه الحقيقي كان البطش ببشار، فلما بلغها سمع أذانًا في وقت الضحى، فسأل عن الأمر فإذا بشار يؤذن وهو سكران. فغضب المهدي وأحضره وأمر بضربه بالسوط، فضُرب سبعين سوطًا، ثم ألقي في سفينة حتى مات [1] .
ـ 10 ـ
ابن الرومي
هو علي بن العباس بن جُريج، من أصل رومي (يوناني) ولذلك قيل له: ابن الرومي، شاعر مجيد من شعراء العصر العباسي، قال فيه ابن خلكان:"الشاعر المشهور، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي فيه بقية".
أكثر شعره في الوصف، وقد أبدع في وصف مشاهد الطبيعة والمغنين والقيان والمآكل، وكان هجّاءً لا يكاد يسلم أحد من هجوه، وكان مضطرب المزاج، يتطير من مشاهد القبح، وربما لازم بيته أيامًا لا يبارحه لئلا تقع عينه على جار له أحدب.
يذكر في سبب موته أنه كان يغشى مجلس القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد العباسي، وكان الوزير يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش، فأوعز إلى متولي طعامه أن يقتله بالسم، فأطعمه في مجلس الوزير خشكنانجة مسمومة [والخُشكنان كلمة فارسية معربة تطلق على ضرب من الطعام من دقيق الحنطة والسكر واللوز والفستق] ، فلما أكلها أحسّ بالسُّم، فقام ليذهب، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ فأجابه إلى الموضع الذي بعثتني إليه. فقال له الوزير: سلِّم على والدي. فأجابه ابن الرومي: ما طريقي على النار. وقد حاول الطبيب شفاءه من السم فلم يفلح، ويقال إنه أخطأ في معالجته فمات بعد أيام، وقال وهو يجود بنفسه:
غلط الطبيب عليّ غلطة مُورد ... عجزت موارده عن الإصدار
(1) معجم الأدباء، ياقوت الحموي، 1/224 ـ 227.