فهرس الكتاب
والناس يلحون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار [1]
ـ 11 ـ
أبو الطيب المتنبي
من الشعراء الذين جنى عليهم شعرهم وأدّى إلى مصرعهم شاعر العرب العظيم أحمد بن الحسين الملّقب بالمتنبي (303 ـ 354 هـ) ، لادعائه النبوّة في بادية السماوة في مقتبل شبابه، فيما يذكر بعض من ترجموه.
كان أبو الطيب يختلف إلى الملوك والأمراء يمدحهم وينال صلاتهم السنيّة. وأشهر ممدوحيه سيف الدولة الحمداني، وله فيه المدائح الغُرّ. وقد أقام في بلاطه مدة من الزمن، ولمّا ضاق ذرعًا بحاسديه وبالوشاة الذين أوغروا عليه صدر سيف الدولة، اضطرَ إلى مفارقته وقصد كافورًا الإخشيدي بمصر، ومدحه بطائفة من قصائده، وكان يطمع في أن ينيله إحدى الولايات. فلمّا خيّب كافور ظنّه فارقه وقال فيه أهاجي ممضّة. ثم قصد عضد الدولة بفارس، ومدحه بمدائح جياد، ثم قفل عائدًا إلى بغداد، وقد حمل معه كل ما جمعه من صلات ممدحيه، ولم يكن يرافقه إلا ابنه محسَّد وغلامه، ولم يشأ الاستعانة برجال يحمونه من غارات اللصوص، فعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي ومعه كثير من أعوانه. وقد همّ المتنبي بالفرار ـ فيما يذكره أحد الأخبار حين رأى الغلبة لمهاجميه، فقال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار وأنت القائل:
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فقال له المتنبي: قتلتني قتلك الله. وعاد فقاتل حتى قُتل. ولا ندري من سمع خبر هذا الحوار بين المتنبي وغلامه وقد قُتل وقتل ابنه معهما، ففي الخبر ما يدعو إلى الشك في صحته.
ومهما يكن من أمر فقط اضطر المتنبي إلى الدفاع عن نفسه، ولم يكن في وسعه أن يتغلب على مهاجميه وهم أكثر عددًا، فانتهت المعركة بمصرعه ومن معه.
حول مقتل المتنبي ثمة خبر يرجحه أكثر الرواة مؤداه أن فاتكًا إنما هاجم المتنبي بدافع الانتقام لأنه هجا ابن أخته ضبّة وأمّه ـ أخت فاتك ـ بقصيدة لاذعة أولها:
(1) الأغاني، الأصبهاني، 3/135.