فهرس الكتاب

الصفحة 22110 من 23694

كان بشار ـ على نحو ما يذكر الأصفهاني ـ قد قال الشعر ولما يبلغ عشر سنين، فكأن أول عهده بالشعر يهجو الناس،"فإذا هجا قومًا جاؤوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربًا شديدًا، فكانت أمه تقول: كم تضرب هذا الصبي الضرير، أما ترحمه؟ فيقول: بلى والله إني لأرحمه، ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إلي، فسمعه بشار فطمع فيه فقال: يا أبت إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم أليس الله يقول: (ليس على الأعمى حَرَجٌ( فلما أعادوا شكواه قال لهم بُرد ما قاله بشار فانصرفوا وهم يقولون فقْه بُرد أغْيظ لنا من هجاء بشار" [1] .

وواضح أنّ بشارًا منذ صغره قد أدرك خطورة الهجاء، وأثره البالغ في الناس فشحذ لسانه بذمهم ليهابوه ويتجنبوا معرة لسانه، وفي الوقت نفسه جعل من الهجاء وسيلة للتكسب فروي عنه أنّه قال: دخلت على الهيثم بن معاوية وهو أمير البصرة فأنشدته:

إنّ السلام أيّها الأمير ... عليك والرحمة والسرور

فسمعته يقول: إن هذا الأعمى لا يدعنا أو يأخذ من دراهمنا شيئًا، فطمعت فيه فما برحت حتى انصرفت بجائزته" [2] . ولذلك كان الموسرون بالبصرة يسترضونه تجنبًا لهجائه، وهو بطبعه لم يكن يحسن مصانعة الناس، ومن ثم لم يكن بارزًا في المدح كبروزه في الذم، وقوله في الخبر الآنف لأبيه:"أغنيك وسائر أهلي"عظيم الدلالة على ميله الشديد إلى الهجاء، وتكريسه هذا الموضوع للنيل من الخصوم ومن ثم حصوله غصبًا على جوائزهم."

(1) الأغاني للأصفهاني: 3/146.

(2) المرجع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت