فهرس الكتاب

الصفحة 22113 من 23694

لم يسلم العلماء والنحاة من هجاء بشار فقد عرّض بالأصمعي وسيبويه وغيرهما من الأعلام بسبب بعض ما أخذا عليه في اللغة أو النحو، فهو مثلًا يهجو سيبويه ويعيره بأمه الفارسية، وهنا نلتفت إلى ناحية مهمة تتصل بشعوبيته، وموقفه الباطن أو الظاهر من الصراع بين العرب والأعاجم، فقد قيل إنّ بشارًا شعوبي متعصب للعجم دون العرب، وهذا الأمر كما أظن ناجم عن مواقف شخصية أكثر من كونه موقفًا سياسيًا أو فكريًا أو ثقافيًا، فالمتأمل شخصية بشار يجد أنّه رجلٌ حاد الطباع متقلب المزاج سريع الاستجابة لما حوله شديد الانفعال، يمكن أن يثور لأقل الأسباب، فماذا يمكن أن نتوقع منه حين يكون في مجلس فيدخل أعرابي فينال منه ويزدريه، يقول الأصفهاني:"دخل أعرابي على مَجْزَأة بن ثور السدوسي وبشار عنده وعليه بزّة الشعراء، فقال الأعرابي: من الرجل؟ فقالوا: شاعر، فقال: أعرابي هو أم مولى؟ قالوا: بل مولى، فقال ما للموالي وللشعر؟ فغضب بشار وسكت هنيهة ثم قال: أتأذن لي يا أبا ثور؟ قال: فقل ما شئت يا أبا معاذ فقال":

خليلي لا أنام على اقتسار ... ولا آبى على مولى وجار

لقد رأى كثير من الدارسين في مثل هذا الشاهد ما يدل على شعوبية بشار، إذ عاب على العرب عاداتهم وسخر من أحوالهم، وبالمقابل افتخر بأصله الفارسي، والصحيح أن مثل هذا الشعر لا يخرج عن الإطار الذي قيل فيه والمناسبة المتصلة به، والدافع الذي حمل بشارًا على قوله، فلا يعدو كونه ردة فعل طبيعية من قبل شاعر كبير كبشار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت