فهرس الكتاب
وما من أحد ينكر عصبية بشار لأصوله الفارسية، ومبالغته في الإشادة بنسبه، واعتزازه الشديد بقومه، ولكن هذا الأمر لا ينحل بالضرورة عن مسألة التحزب، أو العمل المنظم في إطار الشعوبية لبلوغ أهداف سياسية كما توهم بعض الدارسين، بل ينحل عن موقف شخصي، وكيف لا؟ وبشار قد بلغ ما بلغ من الشهرة وذيوع الصيت وعلو القدر، فليس أقل من أن يدافع عن ذاته ويرد كيد الخصوم بكل ما أوتي من قوة، لأنه في مثل هذه الظروف يدافع عن ذاته وشاعريته وتميزه، من أجل ذلك لم يكن متسامحًا حتى مع سيبويه وهو من أصل فارسي حين عاب عليه قوله:
تلاعب نينان البحور وربما ... لهوت بها في ظل مرؤومة زهر
فقال سيبويه لم أسمع بنون ونينان، فلما بلغ ذلك بشار بن برد قال في هجائه [1] :
أَسِبْوَيْهِ يا بن الفارسية ما الذي ... تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ
وهذا يدل على أنّ بشارًا لم يدخر وسعًا في اكتساح الخصم مهما كان، سواء أكان من العرب أو الفرس، وهذا أمر كما قلنا يتصل بطباعه ونفسيته ولم يكن بحال من الأحوال طوية أو فكرة خبيئة يحارب من أجلها لبلوغ هدف من الأهداف، لهذا كان الهجاء عنده ناجمًا عن مواقف معينة ومرتبطًا بمناسبات محددة.
(1) نفسه: 3/167.