فهرس الكتاب
لقد كان هجاء بشار متلونًا بتلون المواقف التي عاشها، ومختلفًا باختلاف الشخصيات التي تناولها، وهو من ثم صورة واقعية لتفصيلات حياته الخاصة، وقد انحل في ذلك الهجاء نزوعه الفطري إلى هذا الغرض الفني الذي وجد فيه ذاته وعبر به عن وجوده، والواقع أن عاهته قد لعبت دورًا بارزًا في هذا الأمر، فكانت تدفعه إلى درء شر الخصوم بالذم والمهاجاة، من أجل ذلك انحط في هجائه ليتناول به صغار الشعراء أمثال حماد عجرد، وحماد أدنى طبقة منه كما يقول الجاحظ:"بشار في العيوق، وحماد في الحضيض" [1] ، وليس ذلك فحسب بل شهر الهجاء بوجه عامة الناس والسوقة، وهذا ما أذهبَ بشاشة شعره، وجعله هدفًا للخصوم ليوجهوا السهام إلى عقيدته أولًا، كالذي كان يصنعه حماد عجرد وقد دس عليه كثيرًا من الأقوال، ونحله بعضًا من الأشعار ثم أشاعها في الناس ليبرزه فاسقًا ماجنًا، ولعل أخطر تلك الأشعار التي حرفها قوله:
يا بن نهبى رأسي علي ثقيل ... واحتمال الرؤوس خطب جليل
ادع غيري إلى عبادة الاثنيـ ... ـن فإني بواحد مشغول
يا بن نهبى برئت منك إلى الله ... جهارًا وذاك مني قليل
وقال الأصفهاني:"فأشاع حماد هذه الأبيات لبشار، وجعل فيها مكان"فإني بواحد مشغول"فإني عن واحد مشغول"لتصح عليه الزندقة، فمازالت الأبيات تدور في أيدي الناس حتى انتهت إلى بشار فاضطرب منها وجزع، وقال أساء بذمي، والله ما قلت إلا"فإني بواحد مشغول"فغيرها حتى شهرت في الناس" [2] ."
(1) البيان والتبيين للجاحظ: 1/64.
(2) الأغاني: 3/169.