فهرس الكتاب
ويبدو أن هذه المسألة كانت واضحة في أذهان نقاد الشعر القديم وعلى رأسهم الأصمعي والجاحظ، فالأصمعي كان من أوثق الرواة وأصدقهم وأغزرهم علمًا، وأوسعهم معرفة بصناعة الشعراء، كما أنّ الجاحظ من أظهر النقاد الذين أمعنوا النظر في جماليات العربية، وقد حمله ذلك على تأليف أهم كتاب يبين مآثر اللغة وبيانها الساحر، وقد تعصب للعرب بفضل لغتهم، وهذان الرجلان كانا من أشد المناصرين لمذهب بشار في الشعر، وليس ذلك فحسب بل إن الأصمعي أوشك أن يختم الشعر به، كما أن الجاحظ جعله على رأس طبقة الشعراء المحدثين حين قال:"بشار من أصحاب الإبداع والاختراع" [1] ، ثم رفع ناقد مثل ابن رشيق من قدره فقدمه على سائر الشعراء:"أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي" [2] كما أحصى النقاد معانيه المولدة والفريدة حتى فاق الشعراء جميعًا بما جاء به من خطرات الفؤاد وتجليات الوجدان وقد تناقلت الكتب من معانيه المولدة قوله:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وهذا كله يثبت أن بشارًا قد تسنّم ذروة الشعر العربي زمنًا، وقد أقر له الأقدمون بالتفوق والعبقرية، ولم يكن مجونه حائلًا دون الاعتراف بفضله، وقد كان الأصمعي وهو عربي شهد لبشار بالشاعرية، ولم يثنه عن الاعتراف بفضله ما كان يظهره بشار من عداء للعرب، وكذا الجاحظ المعتزلي لم يصده هجوم بشار على المعتزلة وواصل بن عطاء عن الإشادة بشعره.
(1) البيان والتبيين للجاحظ: 1/59.
(2) العمدة لابن رشيق: 2/970.