فهرس الكتاب

الصفحة 22122 من 23694

فآب الناس قد حجوا وبَرّوا ... وأُبنا موقرين من الخساره [1]

ويكشف لنا هذا الخبر حقيقية عبث بشار، فهو في قرارة نفسه يريد أن يزيل عن نفسه صفة الزندقة التي نسبها الناس إليه، ولما عرض عليه ابن القعقاع الحج وافق وقال: نِعْمَ ما رأيت، ثم غرر به سعد فأقنعه أن الرحلة إلى الحج طويلة وليس بوسعهما بلوغ الغاية فعرض عليه ثانية أن يميلا إلى زرارة إلى أن يعود الحجاج ليعودا معهم وكأنهما قد أديا الفريضة، غير أن سعدًا فضح الأمر في الشعر الذي قاله وكان بشار يخاف من ذلك وقد حدث. فبشار في هذه الحكاية منقاد على اعتباره كفيفًا يحتاج لمن يقوده ويذهب به، وقد برزت نيته الصادقة في إزالة التهمة عنه غير أن رفيق السوء هو الذي غرر به فكانت المسألة برمتها لا تخرج عن حدود التعابث والمجون، ولو كان بشار يضمر في نفسه سوء الاعتقاد لكان رفض فكرة الحج من أساسها.

3.أبعاد المجون وأثره في تقويم شعر بشار:

إن ما جاء به الباحثون من آراء حول مجون بشار لا يؤخذ بكليته، كما أنه لا يرد في جملته، وربما كانت تصوراتهم إزاء موضوع المجون بدوافعه السياسية والفكرية أو حتى العرقية منوطةً بالواقع التاريخي الذي عاش فيه بشار، غير أن ما يحتمل النظر في جملة الأسباب التي دعت بشارًا إلى التعابث والتمرد والتطاول على القيم هو أن الخلفاء كانوا يتهاونون في ردع المتماجنين من الشعراء، فالمهدي مع تشدده لم يزدجر بشارًا على عبثه ومجونه، وإنما أمر بقتله حين هجاه، فكان ظاهر تهمته رميه بالزندقة والإلحاد، وأما باطنها فهو الهجاء كما تجمع المصادر التي تكلمت على موت بشار، وليس ذلك فحسب بل إن عددًا من الخلفاء كانوا قد اتخذوا من الشعراء المجان ندماء ومسامرين بغرض التسلي، وكان بشار ينال الأعطيات الجزلة من جراء تماجنه، وبمعنى أن عين الرقيب كانت تغفل عن مجونه طالما أن ذلك المجون لا يشكل خطرًا على ذوي السلطان، أو ينال من شخصياتهم.

(1) نفسه: 3/179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت