فهرس الكتاب
إن بشارًا كان يدرك أنه لم يستطع مبارزة المبصرين من الشعراء وغير الشعراء، لأنه كان يشعر أنه مكشوف لبصرهم، وهم مستورون عنه لا يستطيع أن يجسد معايبهم الخلقية على نحو ما كان خصومه يجسدون عاهته وشكله، لهذا ما كان يزعجه شيء في هجاء الشعراء مثلما يزعجه تصويرهم إياه بالقرد لأن هذا التصوير صادف إحساسًا لديه بقبح المنظر وسوء الطباع. وهنا ترسخ في نفسه كره للناس وتبرم شديد بهم، ومن ثم تحول ذلك الإحساس إلى تطاول وتمرد وعبث، فبطريق التعابث أراد تجاوز قصوره، وبطريق ازدراء القيم أراد التعبير عن حريته المطوقة بالمحدود، وبطريق التهتك أراد أن يعوض ما حرمته الطبيعة من نعمة البصر، ولكن مع كل ذلك لم يكن بشار يسعى إلى العبث سعي القاصد الناقم، وإنما كان يبلغ ذلك بلوغ الساذج البسيط الذي لم يجد في نفسه الشخص القادر على التمام لعيب في نفسه وشكله، فمن هنا آثر ترك نفسه على سجيتها، فقطع الحياة عابثًا لا يقيم وزنًا للحدود، وكان لأصحابه دور بارز في كل ذلك، ففي مسألة التعابث كان منقادًا أكثر من كونه قائدًا، رُوِيَ أنّ رجلًا يقال له سعد بن القعقاع يشارك بشار في المجانة"فقال له وهو ينادمه: ويحك يا أبا معاذ قد نسبنا الناس إلى الزندقة فهل لك أن تحج بنا حجة تنفي ذلك عنا، قال: نِعْمَ ما رأيت، فاشتريا بعيرًا ومحملًا وركبًا فلما مرا بزرارة قال له: ويحك يا أبا معاذ ثلاثمئة فرسخ متى نقطعها مل بنا إلى زرارة نتنعم فيها فإذا أقبل الحاج عارضناهم بالقادسية وجززنا رؤوسنا فلم يشك الناس أن جئنا من الحج فقال له بشار: نِعمَ ما رأيت وإني أخاف أن تفضحنا، قال لا تخف فمالا إلى زرارة يشربان الخمر ويفسقان، فلما نزل الحاج بالقاسدية راجعين أخذا بعيرًا ومحملًا وجزا رؤوسهما وأقبلا وتلقاهما الناس فقال سعد بن القعقاع:"
ألم ترني وبشارًا حججنا ... وكان الحج من خير التجاره
خرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زراره