فهرس الكتاب
يَصْدُرُ مجون بشار بن برد عن التعابث بصورة أساسية، وليس التعابث في حال من الأحوال تطاولًا مقصودًا على أعراف المجتمع وقيمه، أو انتفاضًا على واقع، أو موقفًا فكريًا هادفًا، وإنما هو ميل فطري، واتجاه ذاتي يخلو فيه الرجل إلى متعته ولذته ويتحلل من قيود كثيرة كانت مفروضة عليه، والمهم أن المجتمع قد قبل عبث بشار وغيره بصورة فن وشعر، ذلك لأن بشارًا في تعابثه قد لاذ بالفن الذي وفر له هامشًا للحرية الفردية، وكان في الوقت ذاته مضمارًا لتخطيه القيم والمبادئ، وقد ركب أسلوب التعابث والتظرف، وكان هذا الأسلوب مقبولًا عند أشد الخلفاء غيرة وحياءً أعني الخليفة المهدي الذي قبل تعابث بشار في كثير من المواقف من باب التسلي والإضحاك، فقد روي أن يزيد بن منصور الحميري دخل على المهدي وبشار عنده ينشده شعرًا فقال لبشار: ما صناعتك؟ فقال: أثقب اللؤلؤ فضحك المهدي ثم قال لبشار: ويلك أتتنادر على خالي، فقال: وما أصنع به يرى شيخًا أعمى ينشد الخليفة شعرًا ويسأله عن صناعته [1] .
كان بشار إذن يميل إلى الدعابة والهزل والتظرف والعبث، وكان لعاهته أثر بالغ في ذلك، لأنه كما يقول دائمًا، يريد التفوق على المبصرين، ولم يكن لديه وسيلة لبلوغ ذلك سوى العبث الذي عبر به عن وجوده، كما كان أسلوبه في الإبداع، من أجل ذلك أشار في غير موضع من أشعاره إلى أنه أجاد الوصف مع أنه كفيف، وقد ذكر ذلك على لسان إحدى النساء:
عجبت فطمة من نعتي لها ... هل يجيد النعت مكفوف البصر
ومرة أخرى يتكلم في شعره على عاهته مشيرًا إلى أن تلك العاهة لم تلغ تفرده أو تقضِ على ذكائه وعبقريته:
عميت جنينًا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وكان أوجع الهجاء في نفس بشار ذاك الذي يطول شكله، أو يشير إلى عاهته، لهذا قيل إنه بكى لما شبهه حماد عجرد بقرد أعمى، فقيل له ما يبكيك من هذا الشعر؟ فقال: إنه يراني ولا أراه.
(1) نفسه.