فهرس الكتاب
وعندما تمكن الفرنسيون من معرفة موقعهم، هاجموهم وقتلوا عددًا منهم وفرقوا شمل الباقين. فضاقت الدنيا بالشيخ، ولم يكن أمامه بدٌّ من مغادرة سورية إلى فلسطين. فعبر الأرض اللبنانية البرية والبحرية، وحط رحاله أولًا في عكا، ثم انتقل منها إلى حيفا التي كانت قاعدة الأسطول البريطاني وترسانة أسلحته. ومن جديد استأنف رحلة النضال العلمية والجهادية، فعلَّم الدين واللغة للعمال والفلاحين، وعمل على تحسين أحوالهم المعيشية.
في حيفا خطب في عدد من جوامعها، واستقر في جامع الاستقلال وتولى شؤونه. فكان يبصر الناس بما يبيته اليهود لهم من شر وتدمير، ويحرك فيهم همة الجهاد ويستنهض في أرواحهم شرف الاستشهاد، ويذكرهم بما يخطط العدو لفلسطين، ويقول لهم:"اليهود ينتظرون الفرصة لإفناء شعب فلسطين، والسيطرة على البلاد، وتأسيس دولتهم".
لله درك يا شيخ المجاهدين، كم كانت رؤيتك نافذة، وكم كان حدسك صائبًا!
ترى لو بقيت حيًا إلى اليوم، هل كنت تضيف شيئًا على ما قلته منذ عقود طويلة من الزمن؟
ومن أعمال القسام الرائدة في فلسطين، أنه استطاع بعد عمل شاق أن يؤسس أول تنظيم جهادي حقيقي، قوامه العمال في المدن والفلاحون في الأرياف. هذه البذرة الطيبة التي أنبتها في أوساط الشعب الكادح، أعطت أكلها في معركة يعبد وفي غيرها من المعارك والهجمات، وأوقعت هزائم في جيش العدو وهددت أمنه.