فهرس الكتاب

الصفحة 22151 من 23694

ونلمس ذلك في أمثلةٍ بسيطةٍ من وقائع حياتنا اليوميّة. فلا يوجد شاميٌّ يستغرب أن يسمع من أمّه الكلمة المحبّبة التي تدلّل بها أمّهات الشام أطفالها (انشالله تقبرني) . فقط عندما يسمعها مصريُّ أو خليجيٌّ أو مغاربيٌّ ينتفض استهجانًا واحتجاجًا على هذا الدعاء العجيب الذي تدعو به الأمّ على نفسها، حتى إن كانت تتمنّى به لولدها طول العمر بحيث يتاح له أن يدفنها بنفسه؛ وأنا شخصيًّا لم أتنبّه إلى ما في هذا التعبير من قسوةٍ وغرابة، بل لم أحاول ربط اللفظ (تقبرني) مطلقًا بالمعنى الأصليّ والحقيقيّ لهذا الفعل وهو الدفن، حتى نبّهني، وقد تجاوزت الثلاثين، زميلٌ لي من مصر: ما هذا التعبير الغريب الذي تستعمله الأمّهات عندكم في الشام؟!

وللسبب نفسه لا يستغرب الأطفال العرب وهم يسمعون هذه النهاية التقليديّة للشرّير في حكاية جدّتهم الشعبيّة:"فقبضوا عليه واقتادوه إلى الملك وقطع رأسه جزاء عمله، وعاشوا بعد ذلك في سبات ونبات، وتوته توته وانتهت الحتّوته"وهيّا إلى النوم. طبعًا سينام الطفل العربيّ بعد هذه النتيجة المرعبة بسهولة لأنه اعتاد تلك النهاية النموذجيّة للشرّير في حكاياتنا وقد أصبحت لا تكاد تختلف عنده عن النهاية السعيدة في حكاياتٍ أخرى:"وتزوّج الأمير عروسه الحسناء، وأقيمت الأفراح والليالي الملاح، وعاشوا (هم أيضاَ) في سبات ونبات، وتوته توته..".

ولكنّ الطفل الغربيّ لن يغمض له جفنٌ لو ردّدنا على مسمعه هذه النهاية القاسية للشرّير، ليس لأنّه أرقّ في مشاعره أو أرهف في أحاسيسه من طفلنا، وإنما، ببساطة، لأنّه لم يعتد سماع ذلك النوع من النهايات التعيسة في حكايا جدّته ذات الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت