فهرس الكتاب
ولا يقتصر الأمر على الوحدات الفكريّة، بل يتعدّاها إلى البناء اللغويّ نفسه. فإذا اعتدنا أن نقول: لمْ يَدُرْ في خَلَدي، أو أن نقول: خالي الذهن، فلن نستسيغ ممّن أراد أن يتمرّد على تقاليدنا اللغويّة، ولا أقول (قواعدنا) فالفرق خطيرٌ بين القواعد والتقاليد، أن يقوم ببعض المناورة اللغويّة على حساب البناء التقليديّ لهذه السبائك، فيُحدِث بعض التبادل بين العبارتين ليقول: لم يَدُرْ في ذهني، ويقول: خالي الخَلَد، بل ربّما اتّهمناه بالجهل بتقاليد اللغة العربيّة وأعرافها.
إنّ أيّ تغييرٍ في أعرافنا اللغويّة والفكريّة والاجتماعيّة والتربويّة سيُواجَه بمقاومةٍ واستهجانٍ من مجتمعنا، والأهمّ من هذا أنّنا لن نكون قادرين على اكتشاف أخطائنا في هذه الأعراف إلاّ إذا نظرنا إليها في مرآة الأخرين، وبعيونهم لا بعيوننا.
عندما أوفدتني جامعتي في سورية إلى بكّين عام 1979 لتدريس الشعر العربيّ لأساتذة أقسام اللغة العربيّة في الجامعات الصينيّة، أذكر أنّني درّست هناك نصّا لحاتم الطائي يفتخر فيه بكرمه، فماذا كان تعليق الطلبة عليه؟ قالت لي إحداهنّ: لا بدّ أنّ هذا الشاعر مجنون، فكيف يمكن لإنسانٍ أن يتحدّث بهذا الشكل عن نفسه لو لم يكن مجنونًا!! كان تعليقًا مخيّبًا لآمالي ولذاكرتي الأدبيّة والقوميّة، ولم أجد ما أدافع به عنه، وعن تراثي، إلاّ أن أقول: فضلًا عن أن الشاعر ينتمي إلى حضارةٍ غير حضارتكم، تذكّروا أنّه عاش أيضًا في زمنٍ غير زمنكم وبيئةٍ صحراويّةٍ غير بيئتكم حيث كان الكرم والنجدة وحسن الضيافة، وكذلك الدعوة إلى نشر هذه المُثُل، عناصر أساسيّةً لاستمرار الحياة.
ولكنني في مناسبةٍ أخرى وجدتني عاجزًا تمامًا عن الدفاع عن نفسي وعن شخصيّتي وهويّتي، حين حدث أن قالت لي مترجمتي الصينيّة: أنتم - الغربيّين - تختلفون عنّا نحن الشرقيين. والتفتّ إليها بنظرة احتجاجٍ:
-نحن الغربيّون؟! إنّني شرقيٌّ ومسلِم!