فهرس الكتاب
وهذه الثقافة بارزة لأدنى نظر، فالكتاب يتّسم بغزارة بينة بآيات القرآن الكريم، وهي ذات دلالة واضحة على رسوخ قدم أبي حيان في هذا الجانب، كيف لا وهو الذي سبق له أنْ وضع تفسيرًا للقرآن ضخمًا؟ لقد كان القرآن الكريم شديدَ المثول في ذهن أبي حيان، عظيم التمكن منه، يسيرَ الاستحضار لدى الحاجة إلى الاستشهاد والتمثيل، فإن أراد تفسير القاعدة أو شرحها برز الشاهد القرآني بيسر متناهٍ. ومما هو شديد الاتصال بهذا الجانب من ثقافة أبي حيان هذه الإحاطة التامة بالقراءات القرآنية، فتلك قراءة ورش، وهذه قراءة أبي الحسن، وثالثة قرأ بها أبو عمرو،... فمن ذلك مناقشته اللغات في فاء (مَرْء) فقد قال: (في فاءِ مَرْءٍ لغًا ثلاث: إحداها الفتح على كل حال، وبها جاء القرآن، قال تعالى: (يحول بين المرْءِ وقلبه( [الأنفال 8: 24] ... وقرأ الحسن بكسر الميم، يعني في قوله:(بين المَرْءِ وقلبه) ، وقرأ ابن أبي إسحاق: (بينَ المُرءِ) بضمّ الميم...) [1] .
وأورد في مسألة إتباع الأول للثاني قراءة من قرأ (الحمدِ الله( [الفاتحة 1: 2] بكسر الدال، ومنهم زيد بن علي، وقراءة مَن قرأ (للملائكةُ اسْجدوا( [البقرة 2: 34] بضمّ التاء، أتبع في الأولى الدال للام، وفي الثانية التاء لضمة الجيم وتكون ـ يعني حركة الإعراب ـ للنقل نحو قراءة ورش:(ألمْ تعلمَ أنَّ) بفتح الميم، نقل حركة الهمزة إلى الميم، وحذفت الهمزة) [2] .
ومثّل لندرة حذف نون الوقاية في الرفع نظمًا بجملة من أبيات الشعر، وأردف ذلك بمثال من القرآن فقال: (ومثال ذلك نثرًا قراءة أبي عمرو في رواية مَن روى ذلك عنه: (قالوا: سَاحِرَان تظَّاهَران( [القصص 28: 48] .
(1) التذييل 52/ ب.
(2) التذييل 58/ ب.