فهرس الكتاب
وتتجلى مظاهر هذه الثقافة أيضًا في نقد أبي حيان لابن مالك في بعض استشهاداته بقراءات قرآنية، يرفض أبو حيان توجيه ابن مالك لها، من ذلك أنَّ ابن مالك قد ذكر في تقدير جزم الياء في السّعة، ومثّل لذلك بقراءة"قُنْبُل": (إنَّه من يتَّقي الله ويصبرْ( [يوسف 12: 90] بإثبات الياء في"يتقي". وقد ردّ أبو حيان ذلك الاستشهاد بقوله:"ولا دليل في هذه القراءة على إثبات هذا الحكم بتقدير الجزم في الياء، لأنه لا يتعيّن"يتّقي"هنا أن يكون مجزومًا لعطف"ويصبر"المجزوم عليه، لأنه يحتمل أن تكونَ"مَن"على التوهّم لا على المجزوم في اللفظ... وممَّا جاء من جزم خبرِ الموصول على توهّم أنه اسم شرط قول الشاعر:"
كذاكَ الَّذي يبغي على الناسِ ظالمًا ... تُصبْهُ على رَغمٍ قوارعُ ما صنع [1]
والأمثلة على ذلك كثيرة، وكلها تدلّ على سعة معرفة أبي حيان وتمثّله آيات القرآن الكريم حفظًا واستحضارًا وتوجيه قراءات.
ب ـ آثار الثقافة الحديثية:
كان لأبي حيان موقف من الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، وهو موقف الرافض لذلك؛ وحجّته أنَّ المرويَّ إنَّما رُوِىَ بالمعنى، وليس هو لفظ حديث النبي (ص) نفسه وكان أبو حيان إلى جانب ذلك أحد الآخذين على ابن مالك كثرة احتجاجه بالحديث النبوي الشريف، ومع ذلك خلا كتاب (التسهيل) من الحديث النبوي إلا ثلاثة مواضع منه. وجاء أبو حيان ليشرح الكتاب فزاد في الجزء الأول منه فحسب ثلاثة عشر ضعفًا عما ذكره ابن مالك، ولنا أن نقول إن هذا العدد قليل بالنسبة إلى حجم الكتاب الضخم.
وما احتجّ به أبو حيان من أحاديث لم تبنَ عليه قاعدة نحوية، وإنما كانت شواهد على اللغة أو استدلالًا على قاعدة، مما يسمح بالقول بضمور هذه الثقافة في الكتاب.
(1) التذييل 65/ أ، والبيت لسابق البَرْبري، وهو في: أمالي الزجاجي: 185، وشرح التسهيل 4: 83.