فهرس الكتاب
* ففي مجال التوازن السياسي (مثلًا) ، يؤكد القرآن على ضرورة التوازن السياسي بين"القيادات"و"القواعد".. فهو لا يعلق المسؤولية على تلك"القيادات"فحسب، وهي تمارس جرمها وفجورها وترفها وطغيانها وأخلاقياتها الهابطة. إنَّما هي"القواعد"التي أعانتها في البدء على الوصول، ثمَّ تعينها (بتأييدها المعلن أو الضمني.. ماديًا أو أدبيًا أو فكريًا أو أخلاقيًا أو بسكوتها) على مواصلة السير بالجماعة باتجاه البوار. ومن ثمَّ يصدر القرآن الكريم تحذيراته إلى هذه القواعد من أن يتبلد وعيها، ويتجمد حسها الجماعي، فتنساق في مجرى"الطاعة"و"الاندماج"في مسار السلطة، حيث لا تستطيع حتّى أن تقول"لا"بل إنها ـ أكثر من ذلك ـ تقر في سرائرها هذا الطغيان الذي تمارسه السلطة، ولا تستطيع أن تجد في نفسها أي مبرر للرفض أو المقاومة. ومن ثمَّ تجد الجماعة نفسها وقد غفلت عن أهدافها وقيمها ومطامحها، لأنها لم تدع مسافة كافية بينها وبين"السلطة"للرؤية والنقد والتمحيص والرفض والمقاومة، بل اقتربت منها رغبًا ورهبًا، واندمجت بها فأصبح محتومًا أن تتحمل معها المسؤولية، حتّى ولو لم تحصل باندماجها هذا إلا على الفتات، وأحيانًا على الاحتقار والازدراء والصفعات. وسينزل عقاب الله تعالى على الجميع.. قيادات وقواعد. فالمطلوب من القواعد تجاه الطغاة والمترفين: رفض ممارساتهم، والخضوع لله تعالى فحسب، والهجرة إلى أرض الله الواسعة، لإنضاج رؤية الموقف على حقيقته، والتسلح بالوعي والقوة، والعودة لمقاومة الظالمين [1]
* وفي مجال التوازن القيمي: يقدم لنا القرآن الكريم صيغة للنشاط البشري على الأرض تتميز بالتوازن (والتداخل والتكامل) بين قيم الروح وقوى المادة (نفخة الروح + قبضة التراب) .
(1) انظر: المرجع السابق، ص 282 و 283