فهرس الكتاب
وإن أي خلل في هذا التوازن الذي يؤكده القرآن ويدعو إليه كشرط أساسي للاستخلاف، سيؤدي ـ بالضرورة ـ إلى تفكك وانحلال الفرد والجماعة وتمزقهما وتشتتهما، الأمر الذي يقود، بلا ريب، إلى تأزم في الفعالية البشرية، وبالتالي في تدفق معطياتها الحضارية، ممَّا يعرض الجماعة إلى انتكاسة قاسية قد تأتي عليها من القواعد [1] .
إن مسألة التوازن عميقة في نسيج القرآن الكريم، وبحيث إننا نراها في أكثر من اتجاه، وتتلبس في أكثر من شكل.. فمثلًا، إنه يأمر بأخذ الزينة حتّى عند التجرد للعبادة في المسجد. والمحرم أو المرفوض في الإسلام هو الفاحشة، أيا كان مصدرها (الجسد أو الروح) وليس ثمَّة رفض أو احتقار للجسد بما هو جسد أو للغرائز بما هي غرائز [2] .
وإن إحدى كبريات البدهيات الدينية في القرآن الكريم، أن الحلال هو القاعدة العريضة في ميادين الإشباع الغريزي جميعًا، طعامًا وشرابًا وجنسًا، وأن التحريم مسألة استثنائية محدودة المساحة، حتّى إن القرآن الكريم ليعتبر توسيعها بشكل اعتباطي، افتراء على الله تعال، ويكون من وظائف الأنبياء والرسل إعادة إلى الأمور إلى نصابها وتصحيح التزوير [3] .
ويؤكد القرآن الكريم، دائمًا، وبوضوح تام، على الأهمية التي يوليها للمسألة المادية، إلا أنه يضع دائمًا في صميم العلاقات والممارسات المادية (ولا نقول بمواجهتها، إذا إن القرآن الكريم يرفض الثنائية والازدواج) قضايا الروح والقيم والأهداف البشرية العليا، التي تحفظ توازن الموقف البشري في الأرض، وتمكنه من أداء مهمة الاستخلاف الضخمة المنوطة به، وتحركه باتجاه الهدف الأشمل الذي خلق من أجله، ألا وهو عبادة الله تعالى وحده، والتلقي عنه، والتوجه إليه.. أخذًا وعطاء [4] .
(1) انظر: المرجع السابق، ص 294
(2) انظر: المرجع السابق، ص 295
(3) انظر: المرجع السابق، ص 297
(4) انظر: المرجع السابق، ص 300