فهرس الكتاب
يجمع معظم مذاهب التفسير الوضعي للتاريخ على القول بحتمية سقوط الدول والحضارات.. فهيغل ـ في مثاليته ـ يرى الناس والمجتمعات والدول في ممارساتهم وتجاربهم التاريخية كأدوات مرحلية يستخدمها العقل الكلي في فترة زمنية محدودة، ثمَّ ما يلبث أن يطيح بها باتجاه الفكرة الأحسن لكي يجيء ذلك اليوم الذي يكون فيه التاريخ، بشتى معطياته، تعبيرًا متجليًا كاملًا لهذا العقل. ويخضع ماركس حركة التاريخ، بدولها وحضاراتها وتجاربها، لحتمية تبدل وسائل الإنتاج وانعكاسه على الظروف، وإن كل وضع تاريخي مآله الزوال بمجرد هذا التبدل الديناميكي الدائم. ولكن ماركس لا يلبث أن يقع في تناقض أساسي مع نظريته، عندما يقرر الدوام والثبات لمرحلة حكم الطبقة العاملة (البروليتاريا) حيث لا زوال بعدها. وهذا يشبه، في أحد جوانبه، الديالكتيك الهيغلي الذي يؤول بحركة العالم إلى السكون والكف عن التغير بمجرد بلوغها مرحلة تجلي المتوحد!! أمَّا اشنبغلر ووتوينبي فيعلنان عن حتمية السقوط كأمر لا مفر منه. وبينما يغرق اشبنغلر في تشاؤميته نجد توينبي يقع، هو الآخر، في تناقض صريح، عندما يؤكد، في الأجزاء الأخيرة من دراسته للتاريخ، على أن هناك أملًا في بقاء الحضارة الغربية المعاصرة بوجه الأعاصير [1] . فما هو الموقف الإسلامي في هذا الصدد؟
(1) انظر: المرجع السابق، ص 255