ووجد في رمضان بمصر رجل وقد جردت عظامه عن اللحم فأكل وبقي قفصًا كما يفعل الطباخون بالغنم". ويعلق المؤلف الطبيب على ذلك قائلًا:"ومثل هذا أعوز جالينوس مشاهدته ولذلك تَطَلَّبه بكل حيلة، وكذلك كل من آثر الإطلاع على علم التشريح". ويكمل ابن اللباد حديثه:"وحينما نَشَمَ (11) الفقراء في أكل بني آدم كان الناس يتناقلون أخبارهم ويفيضون في ذلك استفظاعًا لأمره وتعجبًا من ندوره ثم اشتد قرمهم إليه وضراوتهم عليه بحيث اتخذوه معيشة ومطيبة ومدخرًا وتفننوا فيه وفشا عنهم ووجد بكل مكان من ديار مصر فسقط حينئذ التعجب والاستبشاع واستهجن الكلام فيه والسماع له.
وقد رأيت امرأة مشججة يسحبها الرعاع في السوق وقد ظُفر معها بصغير مشوي تأكل منه وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شؤونهم لم أر فيهم من يعجب لذلك أو ينكره. فعاد تعجبي منهم أشد. وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب منه"."
ثم يقول:"وتجد أطفال الفقراء وصبيانهم ممن لم يبق له كفيل ولا حارس منبثّين في جميع أقطار البلاد وأزقة الدروب كالجراد المنتشر. ورجال الفقراء ونساؤهم يتصيدون هؤلاء الصغار ويتغذون بهم. وإنما يعثر عليهم في الندرة، وإذا لم يحسنوا التحفظ".
ويقول أيضًا:"وإذا أُحرق أكلٌ أصبح وقد صار مأكولًا لأنه يعود شواء ويستغنى عن طبخه".
ويورد ابن اللباد مشاهدات له جمة مستغربة مستفظعة في هذا الصدد ثم يقول:"ولو أخذنا نقتص كل ما نرى ونسمع لوقعنا في التهمة أو في الهذر."
وجميع ما حكيناه مما شاهدناه لم نتقصده ولا تتبعنا مظانه، وإنما هو شيء صادفناه اتفاقًا بل كثيرًا ما كنت أفر من رؤيته لبشاعة منظره.
وإذا وقع في الأدب المكتوب ضرب من الوصف الفظيع أو المستبشع فإن الوصف الذي ورد في كتاب ابن اللباد من هذا النوع.
ويتحدث المؤلف أيضًا عن الموتان بالوباء في السنة نفسها حديثًا ليس أقل تأثيرًا واستبشاعًا فهو يقول: