فهرس الكتاب

الصفحة 23233 من 23694

"، ووفقًا لهذا التعليل ـ الذي قد يراه بعضهم صحيحًا مقبولًا ـ فإن الفحولة ترتد إلى ميدان الشعر ونظمه، وذلك لأن كثرة رواية الشعر من قبل رواة الأشعار، يقوي ملكة الشعر عندهم، يجعلهم قادرين على الإبداع الشعري، ونحن بدورنا لا نرى أن هذا الأمر صحيح دائمًا، ولا يمكن اعتباره قاعدة تطرد عند الرواة جميعًا، فهنالك شعراء كانوا رواة لأشعار غيرهم، ثم استقلوا بأنفسهم، وأصبحوا في عداد الشعراء الفحول، ولعل خير مثال على هذا، شعراء ما سمي بالمدرسة الأوسية نسبة إلى أوس بن حجر، ومن شعرائها زهير بن أبي سُلمى، وابنه كعب، والحطيئة، وسواهم ممن غدوا من فحول الشعراء، ولكن الذي ينبغي أن ننبه عليه هو أن هؤلاء الفحول كانوا يمتلكون الموهبة الشعرية، و من ثم صقلوها بالدربة والمران، وكثرة الرواية، وهذا يدخل في باب التلمذة والتعلم، أما إذا كان الرواية لا يمتلك ـ أساسًا ـ القدرة على قول الشعر، فلا شك أنه سيبقى رواية مهما أكثر من رواية الأشعار، ومهما تعدد الشعراء الذين يروي أشعارهم، وتنوعت مذاهبهم واتجاهاتهم، والتاريخ الأدبي يمدنا بأسماء كثير من هؤلاء الرواة، الذين كانت تشكل رواية الأشعار جل عملهم، أمثال: الأصمعي، والمفضل الضبي وسواهما، وهذان وأمثالهما من الرواة، قد نجد لهما بعض الأشعار، إلا أنها أشعار تدخل في باب أشعار العلماء، ولا تؤهل صاحبها لأن يكون في عداد الشعراء الفحول، أو يصل إلى مرتبتهم في ميدان الإبداع الشعري، وأشعار العلماء ـ كما وصفها بان قتيبة في معرض حديثه عن أبيات للخليل بن أحمد الفراهيدي، رأى أنها بيّنة التكلف رديئة الصنعة ـ"ليس فيها شيء جاء عن إسماح وسهولة [1] "."

وبالعودة إلى التعريف السابق، وتدقيق النظر فيه، نجد أنه يتضمن مفهومين للفحولة: الأول: تفوق الشاعر على خصمه في غرض الهجاء، دون غيره من الأغراض الشعرية الأخرى.

(1) الشعر والشعراء ابن قتيبة 1/ 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت