فهرس الكتاب
والثاني: تفوق الشاعر على خصمه في ميدان المعارضة، ولعل الدافع وراء هذا التحديد لمفهوم الفحولة، ناتج عن المعارضة [1] التي جرت بين امرئ القيس وعلقمة الفحل، فقد ذكر أنهما كانا يتنازعان الشعر، فحكّما بينهما أم جندب زوج امرئ القيس، فحكمت لعلقمة على زوجها فسمي الفحل لذلك [2] ، على أنه ينبغي أن نشير هنا، إلى أنه ليس كل من عارض شاعرًا، وتفوق عليه يسمى فحلًا.
والمستقرئ لدلالة مصطلح الفحولة في كتابات النقاد القدماء. ومفهوماته لديهم، من خلال استخداماتهم له، والنظر في الشعراء الذين اتصفوا بالفحولة، واستحقوا هذه المنزلة في عالم الشعر، يجد أن هذا التعريف ناقص، ولا يحيط بمفهوم الفحولة من جميع جوانبها، التي أرادها لها النقاد، ولا يستوعب دلالاتها جميعًا.
ولعلنا نجد في أخبار بعض الشعراء، نقيض ما ورد في الشق الأول من هذا التعريف، وهو اقتصار الفحولة على الغلبة في غرض شعري واحد هو الهجاء، منها مثلًا ما روي عن ذي الرمة الذي وقف"ينشد قصيدته التي يقول فيها:"
إذا ارفضّ أطراف السياط وهللت ... جروم المطايا عذبتهن صيدح
... فاجتمع الناس يسمعون، وذلك بالمربد، فمر الفرزدق فوقف يستمع، وذو الرمة ينظر إليه حتى فرغ، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟ قال: ما أحسن ما قلت! قال: فما لي لا أعد مع الفحول؟ قال: قصّر بك عن ذاك بكاؤك في الدمن، ونعتك أبوال العظاء والبقر، وإيثارك وصف ناقتك وديمومتك [3] "."
(1) انظر في تعريف المعارضة وبيان أسسها وطرائقها السليمة، بيان إعجاز القرآن للخطابي ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 53 وما بعدها.
(2) انظر تفاصيل الخير في: الشعر الشعراء: 1/ 220 . والموشح: 29 . وبيان إعجاز القرآن للخطابي: 58 ـ 59.
(3) الموشح المرزباني: 274.