فهرس الكتاب

الصفحة 23235 من 23694

فهذا الخبر يدلنا على أن ذا الرمة مستاء أشد الاستياء، لعدم إلحاقه بطبقة الفحول من الشعراء، على الرغم من إحساسه بأنه من الشعراء المجيدين المحسنين، ولذلك فهو يسأل الفرزدق، عن سبب ذلك. فيبين له أن اقتصاره، في شعره، على معانٍ شعرية معينة، وأغراض بأعيانها لا يتجاوزها إلى غيرها، ولا يبرحها إلى سواء، واستنفاده شعره في الوصف ونحوه، هو ما قصّر به عن بلوغ درجة الفحولة، وجعله يتأخر عن الشعراء الفحول، وهذا يدل على أن الشاعر لا ينبغي له أن يختص بفن شعري دون آخر، ويستفرغ فيه معظم شعره، وليس يكفيه ـ لكي يكون فحلًا ـ أن يبرع في غرض شعري دون سائر الأغراض الشعرية الأخرى، بل لعل العكس هو الصحيح، إذ لابد للشاعر حتى يصير فحلًا من أن يحسن القول في شتى الأغراض والفنون الشعرية، ويؤكد ما نذهب إليه خبر آخر روي عن ذي الرمة نفسه، فقد قيل:"كان ذو الرمة صاحب تشبيب بالنساء، وأوصاف، وبكاء على الديار، فإذا صار إلى المدح والهجاء أكدى ولم يصنع شيئًا [1] ".

(1) الموشح: المرزباني: 279 ، وأكّدى: منع وقطع، وأكدى الرجل: قلل عطاءه، وقيل: بخل. لسان العرب مادة/ كدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت