فهرس الكتاب

الصفحة 23256 من 23694

وقد وردت الحكم في ثنايا القصائد عند الشعراء، ولم تكن مستقلة بقصيدة، ذلك أنها تخدم غرض القصيدة، وتحقق هدفها في موضوعها، وتدعم فكرتها، وتقوي بناءها وتسري بها إلى عقول الناس، لتلامس الإحساس، بكل يسر وإيناس، فتجعلها خالدة... ولذلك فضل العلماء والنقاد الحِكَمَ أن تكون متناثرة في القصائد ـ مهما كان غرضها ـ عن ورودها متوالية في قصيدة مستقلة، فها هو ذا الجاحظ يقول:"لو أن شعر صالح بن عبد القدوس، وسابق البربري كان مُفَرَّقًا في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات، ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق. ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالًا لم تَسِرْ، ولم تَجْرِ مجرى النوادر. ومتى لم يخرج السامعُ من شيء إلى شيء لم يكن لذلك عنده موقع" [1] .

وقد ظلّت الحِكَمُ عند العرب تمثل الفطرة السليمة، التي تعتمد على البساطة، من خلال نظرتهم إلى فلسفة الحياة وتجاربها، إلى أن سقطت الدولة الأموية، وقامت على أنقاضها الدولة العباسية سنة (132هـ) ، عندئذ"انتشرت حركة النقل، وشاعت الثقافات العالمية بين العرب، وانهال العلماء على كل علم يتدارسونه ويقعدونه، شاع التفكير الفلسفي، وراح العرب ينقلون الحكم والأمثال من الهنود والفرس واليونان، ويضيفونها إلى حكمهم وأمثالهم... واشتهر من هؤلاء: ابن المقفع، وأبو تمام، والمتنبي، والمعري... فأبو تمام له معان عميقة، وأدلة منطقية" [2] .

(1) ـ البيان والتبيين 1/206 (كان صالح بن عبد القدوس شاعرًا حكيمًا من الوعاظ، والمتكلمين، ومن الوعاظ بالبصرة ـ سنة

(160هـ) . انظر: وفيات الأعيان 1/245. وتاريخ بغداد 4844. وسابق البربري: هو أبو سعيد، له أشعار حسنة في الزهد. انظر: خزانة الأدب 4/164).

(2) ـ مصطلحات نقدية، ص192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت