فهرس الكتاب

الصفحة 23258 من 23694

كان أبو تمام مثقفًا بثقافة تفوق ثقافة الشعراء المعاصرين له، يقال: إنه لما رحل إلى مصر طلبًا للتكسب، أخذ يسقي الماءَ في المسجد الجامع (مسجد عمرو بن العاص) ، وكان يستمع إلى ما يُلقى في حلقاته من أمالي العلم والأدب، ويتنقل من حلقة إلى حلقة، ويصغي إلى شيء من القصص، وإلى شيء من التاريخ، وإلى شيء من الشعر، وإلى شيء من الفقه والحديث والفلسفة وغيرها، ويحفظ ما استطاع أن يحفظ... وقد تمكن من حفظ القرآن، الكريم، ويقال: لا يوجد شاعر من شعراء العربية تأثر بالقرآن تأثر أبي تمام به [1] . ويروى عن أبو تمام أنه قال:"لم أنظم شعرًا حتى حفظت سبعة عشر ديوانًا للنساء خاصة دون الرجال" [2] . وقيل: إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع [3] . ولما قدم بغداد، جالس بها الأدباء، وعاشر العلماء، واتصل بالشعراء، وكان خيارهَم دينًا وأدبًا وشعرًا وأخلاقًا [4] . وكان يزاوج بين العقل والحسّ، ويعبر عنهما تعبيرًا زخرفيًا، ويمزج بين الثقافات، وألوان الشعر مزجًا طريفًا، إذ أخذ شعره يستوعب عناصر الثقافات المختلفة من عربية وإسلامية وفارسية وهندية ويونانية، ويحوّلها إلى زخرف عقلي جديد، يسيطر عليه التعبير بهذا اللون الفلسفي [5] . لقد نهل أبو تمام ثقافته الأولى من المساجد، واغترف من بحر اللغة والفلسفة والفقه وبلغ إلى ذروة الثقافة التي عرفها عصره، وكانت ثقافته تمتزج امتزاجًا عميقًا بشعره...

(1) ـ انظر: تاريخ بغداد 8/248. وسير أعلام النبلاء 11/64. وسرح العيون، ص324. وحسن المحاضرة 1/559. ومختصر تاريخ دمشق/ 179. وتاريخ الأدب العربي، العصر العباسي الأول، ص269. وأبو تمام الطائي، ص66.

(2) ـ المثل السائر 3/252.

(3) ـ وفيات الأعيان 2/12.

(4) ـ تاريخ بغداد 8/248. والبداية والنهاية 10/300. وانظر مزيدًا من التفصيل: أبو تمام حياته وشعره، ص16 وما بعدها.

(5) ـ الفن ومذاهبه في الشعر العربي، ص256- 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت