فهرس الكتاب
وَمَنْ قَامَرَ الأيَّامَ عَنْ ثَمَرَاتِهَا ... فَأَحْجِ بِهَا أنْ تَنْجَلِي وَلَهَا الْقَمْرُ
فَإِنْ كَانَ ذَنْبِي أنَّ أَحْسَنَ مَطلَبِي ... أسَاءَ فَفِي سُوءِ الْقَضَاءِ لِيَ الْعُذْرُ [1]
ولم تكن الحكمة تعالج موضوعًا بعينه، بل تناولت موضوعات شتى، لأن الشاعر يصدرها من خلال تجارب في هذه الدنيا الواسعة إذ تصادفه الهموم فتثير مشاعره، وتلهب أحاسيسه، فيختزنها، في داخله، وتبدأ بالغليان، فتترسب الشوائب، وتبقى المعاني، وتطفو الحكمة التي هي صفوة تلك المعاني وزبدتها وخلاصتها، فتخرج في ثوبها القشيب، لتطرق الآذان بلا استئذان.
وهذه جملة من الحكم تدل على صحة ما ذهبنا إليه، فها هو ذا يقول: إنه لو أقام الواعظ مقام الحازم الفاعل لاغتنيت بما اتصفت به من ذكاء وحزم: (من الكامل)
لَو كَانَ يَغْنَى حَازِمٌ عَنْ وَاعِظٍ ... كُنْتَ الْغَنِيَّ بِحَزْمِه وَذَكَائِه [2]
وهو يرى أنه لا فائدة من نزول الغيث، ولا نفع من انهمار الأمطار، إذا كان الإنسان قد مات ظمآن من شدّة الصدى والعطش، قبل نزولها، يقول: (من الطويل)
وَمَا نَفْعُ مَنْ قَدْ مَاتَ بِالأمْس صَادِيًا ... إذَا مَا سَمَاءُ الْيَوْمِ طَالَ انْهِمَارُهَا [3]
ويؤكد في حكمة أن تحقيق المعالي والوصول إليها لا يكون عن طريق القول الذي لا طائل منه، وإنما يكون ذلك التحقيق بالعمل الفعلي، يقول: (من الطويل)
إذَا الْمَرءُ أبْقَى بَيْنَ رَأْيَيْهِ ثُلْمَةً ... تُسَدُّ بِتَعْنِيفٍ فَلَيْسَ بِحَازِمِ [4]
(1) ـ السابق، ص950، (قامر: راهن. وثمراتها: نتائجها وغياباتها. وأحج به: أحرى بها. والقمر: الغلبة في القمار) .
(2) ـ السابق، ص641.
(3) ـ السابق، ص884.
(4) ـ السابق، ص533.