فهرس الكتاب
فَقَدْ يَأْجُرُ اللَّه الْفَتَى وَهْوَ كَارِهٌ ... وَمَا الأجْرُ إلاَّ أجْرُهُ وَهْوَ طَائِعُ [1]
ويبدو أن فكرة الصبر يجد فيها الشاعر متنفسًا، على الرغم من أنها فكرة دينية، ذلك أن العقل لا يفطن، ولا يهتدي إلى الصواب في حلِّ المعضلات، إذ إن الصبر هو الذي يقوم مقامه، وينسي آثار النُّوَب والمصائب، وحري بالمرء أن يحتسي من كأس الصبر، وإن كان كفّه لا يحتوي مالًا، كما أن العقل ذاته يبدو دون جدوى إذا لم يزيّن بالمال في وجوهه كلها، يقول: (من البسيط)
مَا يَحْسِمُ الْعَقْلُ وَالدُّنْيَا تُسَاسُ بِهِ ... مَا يَحْسِمُ الصَّبْرُ فِي الأحْداثِ والنُّوَبِ
الصَّبْرُ كاسٍ، وَبَطْنُ الْكَفِّ عَارِيَةٌ ... وَالْعَقْلُ عَارٍ إذَا لَمْ يَكْسَ بالنَّشَبِ [2]
نرى الشاعر من خلال المشاهدة والملاحظة، يفضل الصبر على العقل، ويجعل الصبرُ الفقيرَ غنيًا بقناعته وصبره، أما العقل فلا طائل منه، بل هو بحاجة إلى مال ليستر به عيوبه ونقائصه...
والحديث عن الصبر يدفعنا إلى أن نسوق مثالًا آخر، لما فيه من جمال وروعة، انظر معي تأويل أبي تمام، ونظرته التي تتجلّى في أن يسكب الإنسان الدمع بقدر ما يشاء، وينزح ماءه من عينيه كي يزيل ماء الوجد، أي يدع الوجد يجف وينقضي، يقول: (من الكامل)
لَسْتَ الْفَتَى إنْ لَمْ تُعَرّ مَدَامِعًا ... مِنْ مَائِهَا وَالْوَجْدُ بَعْدُ بِمَائِهِ
لكنه يردفه ببيت آخر، يرى فيه أن عقل الإنسان يتبدّى عبر ما يظهر من أسى أو صبر، يقول:
وَإِذَا رَأَيْتَ أَسَى امْرِئٍ أوْ صَبْرَهُ ... يَوْمًا فَقَدْ عَايَنْتَ صُورَةً رَائِهِ [3]
ونراه يسدي من خلال حكمه النصح والإرشاد للناس كل الناس، بأنه من يراهن الأيام عمّا تطلع به فلابد أن تنكل به وتبخسه، فإذا ما خاب في مسعاه الكريم، فإن عذره أن القضاء عارضه، يقول: (من الطويل)
(1) ـ السابق، ص675.
(2) ـ السابق، ص938، (النشب: العقار والمال) .
(3) ـ السابق، ص641.