فهرس الكتاب

الصفحة 23266 من 23694

ونحن نتّفق مع الجاحظ ـ كما ذكرنا ـ فيما ذهب إليه من أن القصيدة إذا كانت كلّها حكمًا لم تَسِر، ولم تَجْرِ مجرى النوادر، وهذا جلي في قصيدة لأبي تمام تضم سبعة عشر بيتًا، كلّها في الحكمة، اقتطفت منها قوله: (من الطويل)

أَلِلْعُمْرِ فِي الدُّنْيَا تُجِدُّ وَتَعْمُرُ ... وأنْتَ غَدًا فِيها تَمُوتُ وَتُقْبَرُ

وَهَذا صَبَاحُ الْيَوْمِ يَنْعَاكَ ضَوْؤهُ ... وَلَيْلَتُهُ تَنْعَاكَ إنْ كُنْتَ تَشْعُرُ

تَحُومُ عَلَى إِدْرَاكِ مَا قَدْ كُفِيْتَهُ ... وَتُقْبِلُ بِالآمَالِ فيهِ وَتُدْبِرُ

وَرِزقُكَ لا يَعْدُوكَ إمَّا مُعَجَّلٌ ... عَلَى حَالَةٍ يَوْمًَا وَإمَّا مُؤَخَّرُ

وَلا حَوْلُ مُحْتَالٍ وَلا وَجْهُ مَذْهَبٍ ... وَلا قَدَرٌ يُزْجِيهِ إلاَّ الْمُقَدَّرُ

لَقَدْ قَدَّرَ الأرْزَاقَ مَنْ لَيْسَ عَادِلًا ... عَنِ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا يُقَدِّرُ

فَلا تأْمَنِ الدُّنْيَا إذَا هِي أَقْبَلَتْ ... عَلَيْكَ فَمَا زَالَتْ تَخُونُ وَتُدْبِرُ [1]

نلاحظ أن هذه الحكم تتوالى دون انقطاع كالسيل المنهمر، وهي تلامس الذهن بطريقة متواصلة، ولا تعطيه فرصة للتدقيق والملاحظة والمعاينة، تقرع السماع، وتتوالى على الذهن، بيسر وسهولة، وخاصة أن الشاعر يتكئ على المعاني الدينية من خلال ثقافته الإسلامية الواسعة، وحفظه القرآن الكريم، فهو بهذا التأثر يدغدغ عواطف المتلقين، ويمتعهم بحكم تنساب انسيابًا بشكل جميل رائع... ونجده يلح إلحاحًا كبيرًا على الموروث الديني، وينهل منه لأنه هو الذي يبل الصدى، ويغذي الروح، انظر معي في جمال التعبير في قوله حين يتحدث عن الصبر، ليخلص إلى أن الطاعة والقبول بما قدّر الله يوليّان الأجر: (من الطويل)

فَصَبْرًا فَفِي الصَّبْرِ الْجَلالَةُ وَالتُّقَى ... وَلا إثْمَ إن خُبّرْتَ أنَّكَ جَازِعُ

(1) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص963.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت