فهرس الكتاب
ونلاحظ من خلال هذه الأمثلة أن الشاعر ـ على الرغم من إبداعه ـ في توظيف الموروث، بقدر ما يخدم تفكيره، وموضوع تعبيره، ظل أسيرًا لذلك الموروث الذي قيّده، وحرمه من الانطلاق إلى عالم أرحب، إذ ظل حبيس النفس، وما تنزع إليه في حدود تكاد تكون محدودة، وبقدر ما يسمح له التراث بذلك، لأن ما أتى به كان قد صدر عن تجارب سبقته، وأحداث مرت بغيره، ووقائع مضى عليها الزمان. وعلى أية حال، فإنه بمقدرته الشعرية التي يضرب بها المثل كان قادرًا على أن يسخر تلك الأمثال لخدمة موضوعه، وينقلها إلى صورة ذهنية خاصّة به، ويطبعها بطابعه الفني. والأمثلة على ذلك كثيرة نكتفي بهذا القدر منها [1] . أما النوع الثاني من حكم أبي تمام التي أصدرها من خلال تجاربه النفسية وأحاسيسه التي تفاعلت مع تلك التجارب، تكاد تشترك ـ من حيث هي حكم ـ مع الشعراء الآخرين، وهي معان مجردة من الأحداث والوقائع، فيها خصائص الحكمة، تخاطب الذهن، وتلامس الإحساس، لا الحواس، لكنها تُعنى بالذهن أكثر من عنايتها بالإحساس، فهي مزيج بين هذا وذاك، لأنها لو اعتمدت على الإحساس فقط دون الذهن لكانت تعبيرًا ذاتيًا يعبر عن إحساس فردي لا جماعي، قد يقبلها الناس وقد يرفضونها، وبما أنها صدرت على سبيل الحكمة، فلابدّ أن تتوافر فيها شروط حتى تكون حكمة، من أهمها أن يُسَلِّم بها الجميع، ويُقرّوها، لأنها تدعو ـ غالبًا ـ إلى الفضيلة لا الرذيلة...
(1) ـ انظر: مثار القلوب، ص201 و215 و216 و222 و 250 و324 و 325 و 331 و422 و427 و428 و435 و563 و565 و584 و909 وغيرها كثير. وانظر جمهرة الأمثال 1/62 و91 و109 و248 و265 و310 و350 و358 و517 و553 و573 و2/65 و141 و165 و202 و243 و248 و283.