فهرس الكتاب

الصفحة 23264 من 23694

إن توظيف الحكم والأمثال السائرة، تدل على عظم أهميتها، وعمق معانيها، وقوّة تأثيرها، ولذلك يلجأ الشعراء إليها، لأنها تمدّهم بقوة نفسية، تعالج ما حاك في صدورهم وثار، فتساعدهم على الإبداع الفني، على الرغم من بعد الزمن بين صدورها الأصلي وبين توظيفها بعد شيوعها، فالتوظيف لها، هو إحياء لها، إذ يكسر الحواجز الزمنية بين الصدور والتوظيف، وهذا يعني أن الفن له تأثير عميق، والبيئة لها امتدادها، والحياة متواصلة متجددة، لا انقطاع فيها، وهذا ما يفسر إلحاح أبي تمام على الاستفادة من ذلك التراث بطريقة عجيبة، يظهر فيها براعة وإبداعًا عظيمين. انظر معي حكمته التي يوظف فيها المثل القائل:"داء الأسد"، أي: الحمى، لأنها كثيرًا ما تغزو الأسد، حتى إنه قلّما يخلو منها ساعة [1] ، يقول أبو تمام: (من الطويل)

فَإنْ يَكُ قَد ناَلَتْكَ أطْرَافُ وَعْكَةٍ ... فَلا عَجَبٌ أنْ يُوعَك الأسَدُ الْوَرْدُ [2]

ويضرب المثل في (إبر النحل) في الوصول إلى المحبوب بمقاساة المكروه، لكن أبا تمام أخذه، ووظفه في المعاناة التي يجدها الإنسان في تحصيل المعالي، يقول: (من الطويل)

ذَريني أنَلْ مَا لا يُنَالُ مِنَ الْعُلا ... فَصَعْبُ الْعُلا في الصَّعْبِ والسَّهْلُ فِي السَّهْلِ

تُرِيدينَ تَحْصِيلَ الْمَعالِي رَخِيصَةً ... وَلابُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ إبَرِ النَّحْلِ [3]

(1) ـ ثمار القلوب، ص383.

(2) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص230، (الورد: الأحمر) .

(3) ـ ثمار القلوب، ص507. لم أجد البيتين في الديوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت