فهرس الكتاب

الصفحة 23270 من 23694

أما النوع الآخر فهو الذي يتمثل في إطلاقه الحكمة التي صدرت عن طريق تجاربه في الحياة، ونظراته إليها، وتأملاته في تصاريفها، يختزنها حتى تختمر، يقلّبها، ويحلّلها، وينتقيها، فيصوغها شعرًا، كما هو الحال في النوع الأول، ولكنه هاهنا يخضعها لإعمال العقل، وكدّ القريحة، ويعرضها من خلال أسلوب فلسفي منطقي، يتوافق مع فلسفة الكلاميين، إذ يأتي بالدليل على إقامتها، والبرهان على صحتها، والحجة على منطقيتها، ولعل الأسباب التي دفعته إلى ذلك، تتمثل في: ثقافته الواسعة، وخاصة إطلاعه المعمق على الحكم التي تُرجمت من الهندية والفارسية واليونانية، إلى جانب معرفته بعلوم الفلسفة والمنطق، مما دفع به إلى اعتماده على الحكمة التي تقوم على الإدراك العقلي، إذ لا يترك لأي دارس أن يشك فيا يقول... وكأنه هو نفسه يشك فيما أورده من كلام يصلح أن يكون حكمة، ينظر فيها نظرة المتهيّب الشاكّ، يعرضها على الذهن، فيجد أنها قد تحتمل الظن والشك، فلابد من التدليل عليها، وإثباتها، من أجل أن تكون مسألة واضحة يُسَلَّمُ بأمرها، وكأنها مسألة رياضية، لا تقبل نقاشًا سفسطائيًا لا طائل منه، يزنها في كفتي ميزان، ويساوي بينهما دون أي زيادة أو نقصان، ثم يطلقها، وهو موقن بأنها تدنو من النفس، وتدخل إلى القلب وتقرع الآذان بلا استئذان، وكأنه يريد أن يريح الذهن من عناء التفكير في صحة ما ذهب إليه، ليجعله يسلم بمسلمات ماثلة أمامه من خلال الحس والإدراك، وليس هناك مجالٌ لأن يرفض هذه أو تلك...

انظر معي قوله: (من الكامل)

وإذَا أرَادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ ... طُوِيَتْ أتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ

لَوْلا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ ... مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ

لَوْلا التَّخَوُّفُ لِلْعَواقِبِ لَمْ تَزَلْ ... لِلْحَاسِدِ النُّعْمَى عَلَى الْمَحْسُودِ [1]

(1) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص169. وانظر: العمدة 2/980، وسرح العيون، ص327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت