فهرس الكتاب
نلاحظ أن البيت الأول يقوم بذاته، فهو حكمة، يجري مجرى المثل، لشيوعه وشهرته، وهو ليس بحاجة إلى غيره، لإثباته، لأن الشعر تعبير عن إحساس وانفعال، ليس بحاجة إلى إعطاء الدليل، أو إثبات صحة ما يقول، لأنه لو كان عليه أن يأتي بالبرهان لتحوّل الشعر إلى شعر تعليمي أو علمي عقلي ليس فيه من الشعر إلا الوزن والقافية. إذن لا يطلب من الشاعر أن يثبت صحة فكرته، ولا الإتيان ببرهان، لأن ذلك من شأن العلوم الرياضية لا شأن التعبير عن عواطف، الذي قد يتفق مع الواقع، وقد يختلف، لكن ثقافة الشاعر هي التي تدفعه إلى طريقة التناول، لأنه ينظر إلى ما حوله بنظرة معمقة مختلفة عما يصدر عن إنسان غير مثقف. ولذلك يخضع التعبير لطريقة التفكير، وعمق التجربة، وطول الخبرة، ومدى تفاعل الشاعر بالثقافات الموروثة والمعاصرة على حدّ سواء... ولذلك نرى أن البيت الأول يدور حول الفضيلة التي نسيت أو اختفت، فسخر الله لها لسان حاسد، يبحث عنها، وينفض عنها ما ران عليها من غبار الزمن، ويكشفها بعدما كانت طيّ الكتمان، وفي عالم النسيان، فأخذ يلهج بذكرها حسدًا، وينشر فضيلتها كرهًا وجهلًا، ولا حبًا، ولا قصدًا، من غير أن يعرف أنها فضيلة، ولو هلم ذلك لما نشرها، أو تحدث فيها. هذا المعنى يكفي أن يكون حكمة عظيمة، لكن الشاعر نظر إليها، وتفحصها، وكأنه شكّ في وصولها كما خطط، أو شكّ في مدى قبول الناس لها كحكمة، لأنها تعبير معنوي، قد تتطابق مع الواقع، وقد تخالفه، ولذلك، أردفها ببيت آخر يصلح أن يكون حكمة أو مثلًا دون حاجته لغيره في الوزن أو المعنى، لكنه يدعم الأول، ويشد من أزره، ويؤيده، ويثبته، ويحققه. والفرق بين البيتين يتمثل في أن الأول معنوي، والآخر حسي، ذلك أن الرائحة الطيبة المنبعثة من العود لا تعرف إلا إذا احترق ذلك العود، وتبقى الرائحة دفينة، مخبأة، في العود إلى أن تتحقق عملية الاحتراق التي حصلت من اشتعال النار مصادفة...