فهرس الكتاب
فالشاعر وفّق في توفير بيئة ملائمة لموضوعين مختلفين، يتحدان فيها، ويتلاءمان، فهما صنوان لا يفترقان، فالأول: مقدمة نظرية افتراضية، والآخر: برهان منطقي، يقوم على الدليل... وكأنه يريد أن يحول هذا الدليل العقلي إلى معنوي، إذ أراد أن يقول: إن نار الحسد تثير عرف الأخلاق فيمن حسد. وبعد أن أتم الشاعر الفكرة، واقتنع بها أخذ يعطي النتيجة التي يريد أن يصل إليها بكل اطمئنان، إذ اتبع البيتين ببيت ثالث، يقول فيه: لولا أن عاقبة الحسد مذمومة معيبة، لكان للحاسد النعمة على المحسود، لأنه يظهر من فضله ما كان مستورًا، ومن كرمه ما كان خافيًا ثم إن المحسود متى علم بحسد الحاسد ازداد في اكتساب المكارم، وابتناء المعالي، فكان حسده سببًا له. وكما نلاحظ في هذه الأبيات الثلاثة، أن الأول: حكمة افتراضية، والثاني: برهان لذلك الافتراض، والثالث: نتيجة وخاتمة. وقد ذهب الآمدي إلى أن هذه المعاني من مخترعات أبي تمام... يبعث شعراء زمانه من أهل اللغة العربية على طلب شعره، وتفسيره، واستعارة معانيه، فبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغِ لفظ وأحسن سبك [1] .
(1) ـ الموازنة، ص124 و379.