فهرس الكتاب

الصفحة 23288 من 23694

فاللَّبْس في معناه الذي أراده النحويون وفي المعاني التي قرنوها به لم يخرج عن معناه اللغوي الذي يشير إلى الاختلاط في الأمر والغموض فيه، واللبس والإلباس إذا وقعا في الكلام فإنهما يَشِيان بإبهام المراد منه واستغلاق جهته وتعمية معناه، لذا أراد النحويون تخليص الكلام من اللبس خدمة للمعنى وتسديدًا له، والنصوص السالفة آية على ذلك، وستتضح هذه الفكرة عند الكلام على أمن اللبس والمعنى في هذا البحث.

والسؤال الذي يرد في هذا المقام هو متى يكون الكلام مُلْبِسًا ومَن الذي يحكم عليه باللَّ‍بْس؟ إن الجهة التي تستقبل كلام المتكلم هي التي تحدد ما إذا كان كلامه مُبِينًا واضحًا أم ملبسًا مشكلًا، والمخاطَب هو المقصود بالمعنى لذا فهو الذي يرى أن الكلام جليٌّ ظاهر أو معمَّى ملبِس، .. لأن الغرض من الكلام هو المعنى فهمُه وتمثلُه، ومن هنا نرى أَن اللَّبْس مرتبط ارتباطًا وثيقًا بظهور المعنى وبيانه لدى متلقِّيه.

والإلباس في الكلام يكتسب صفة النسبيَّة، فما يكون في عصر من العصور ملبسًا لا ينبغي أن يكون كذلك في عصر آخر، فقد يكون الكلام مفهومًا ظاهرًا معناه في عصر ويكون مستغلِقًا غير مستَبان في عصر آخر، وما يراه جيل من الناس مخلًَّا موقعًا في وهم يراه جيل آخر مستقيمًا واضحًا غير مُلْبس، قال البغدادي في كلامه على بيت الشاعر [1] .

أَرضٌ تخَيَّرها لطِيب مَقِيلها ... كعبُ بنُ مامةَ وابنُ أُمِّ دُوَادِ

(1) ) هو الأسود بن يعفر والبيت في ديوانه: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت