فهرس الكتاب
وربط الثعالبي الشعر بالوظيفة الخلقية نفسها، فجعله وسيلة تربوية، تحث على الفضيلة، وتقبّح الرذيلة، ومن ثم كان الحرص على تعلمه لكل من حرص على تربية النفس وإصلاحها. قال:"إن الرجل ـ الملك أو السُّوقة ـ إذا صيّر ابنه في الكتاب أمر معلمه أن يعلّمه القرآن والشعر، فيقرنه بالقرآن، ليس لأن الشعر كهو، ولا كرامة للشعر، لكنه من أفضل الآداب، فيأمره بتعليمه إياه، لأنه توصل به المجالس، وتضرب فيه، وتعرف به محاسن الأخلاق ومشاينها، فتذم وتحمد، وتهجن وتمدح، وأي شرف أبقى من شرف يبقى بالشعر؟" ( [37] ) .
وقال الثعالبي في موطن آخر:"الأدب وسيلة إلى كل فضيلة، وذريعة إلى كلّ شريعة" ( [38] ) .
وعلى نحو ما جعل ابن قتيبة والثعالبي للأدب وظيفة شبيهة بوظيفة الدّين، إذ هو دالّ على الخير، وزاجر عن الشّرّ؛ مضى ابن عبد البر في المنحى نفسه، فجعل مطالعة الآداب ضرورة تنصرف إليها عناية الطالب مثل انصرافها إلى تعلّم معاني الكتاب والسنة، لأن الأدب معلم للحكمة، ناهٍ عن الدنايا والمحارم. يقول ابن عبد البر:
"إن أولى ما عُني به الطالب، ورغب فيه الراغب، وصرف إليه العاقل همّه، وأكد فيه عزمه ـ بعد الوقوف على معاني السنن والكتاب ـ مطالعة فنون الآداب، وما اشتملت عليه وجوه الصواب من أنواع الحكم التي تحيي النفس والقلب، وتشحذ الذهن واللبّ، وتبعث على المكارم، وتنهى عن الدنايا والمحارم ( [39] ) .."
وربط أبو العلاء الشعر بوظائف خلقية، وقرن مكانة الشاعر بها، فجعل خروجه إلى أغراض دنيئة سببًا في سقوط همته.
نقل عنه الكلاعي ـ ووافقه في الرأي ـ:"ما أعدل قول أبي العلاء في خطبة الفصيح: الشعر إذا جعل مكسبًا لم يترك للشاعر حسبًا، وإذا كان لغير مكسب حسن في الصفات والنسب، ما لم تُسَبَّ المحصنة، وتعدّ للعار المُرْصَنَة ( [40] ) .."