فهرس الكتاب
وعلى أن من أبرز فئات النقاد العرب الذين ربطوا الشعر بالغايات الخلقية، المتمثلة بصورة خاصة في التربية والإصلاح وحث النفس على الفضائل، وتنفيرها من القبائح، هم الفلاسفة، أو الذين غلبت عليهم الثقافة الفلسفية والعقلية، كالفارابي، وابن سينا، وابن رشد، ومسكويه، وحازم القرطاجني، ومن هو على شاكلتهم.
وسنرجئ الكلام على هذه الفئة إلى الحديث عن وظيفة الشعر النفسية، وذلك لأن هذه الفئة ربطت الأثر النفسي الذي يحدثه الشعر ـ عن طريق التخييل الذي هو جوهره ـ بغايات خلقية.
وخلاصة القول في هذه الفقرة: إن النقاد العرب في الإسلام ـ على مختلف فئاتهم ـ كانوا شديدي الاحتفاء بوظيفة الشعر الخلقية، المتمثلة ـ في أحد جوانبها ـ في أنه نشاط جاد فعّال، يستطيع ـ بما يمتلك من طاقة جمالية، ومتعة فنية ـ أن يكون وسيلة للتربية وإصلاح النفس. ولذلك كان مادة رئيسة من مواد الثقافة والتعليم، لا يستغنى عنها طالب، بل بدا أثره أحيانًا مشبهًا أثر الدين في سعي كلّ منهما إلى الدعوة الحقّ والفضيلة، والنهي عن الباطل والرّذيلة...
الوظيفة النّفسية:
تحدث النقاد العرب كثيرًا عن تأثير الشعر، وامتداد سلطانه، فهو نفّاذ في عمق النفس، عميق الولوج إليها، ينسرب في طواياها انسرابًا عجيبًا، فيحدث فيها من التأثير ما يشبه السّحر، لأنه فن ممتع لذيذ، يمتلك قيمًا جمالية متميّزة، تمكّنه من عرض الأشياء عرضًا شائقًا باهرًا.
وقد ربط النقاد التأثير النفسي للشعر بالأغراض الخلقية المتمثلة في إثارته للمشاعر النبيلة الخيّرة، فيحمل النفس على الطرب للفضيلة، والانقباض من الرذيلة، ثم يتعدى الأمر هذا الانفصال النفسيّ إلى سلوك عملي، ومواقف فعلية، يُحمل فيها المتلقي على نقيض ما كان عليه من دنايا وانحطاط، فيسخر بعد شح، ويَشْجُع بعد جبن، ويستبشر بعد انقباض.