وما بين أيدينا من نصوص تطوي احتفاء واضحًا بالصياغة والأسلوب لا يعني إسقاط المادة أو الهيولى، ولكنه يشير إلى أن أهمية الشعر وتأثيره وقدرته على الانسراب إلى النفس يكمن في الطريقة التي يقدِّم بها المعنى. لأن هذه الطريقة هي التي تجعلنا نتفاعل مع هذا المعنى. لقد سمّى النقاد الفلاسفة، أو من أخذوا بحظ من ثقافة فلسفية، هذه الطريقة"التخييل"وعبّر عنها نقاد آخرون بألفاظ مختلفة، فقال الجاحظ مثلًا بقوله:"الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير ( [90] ) ".
ولكن ذلك كله من باب التأكيد على دور الأسلوب في الشعر من غير أن يعني إطلاقًا أي إسقاط للمادة، أو تهوينًا من شأن المعنى.
وإذا وقع الدارس على أحكام نقدية كثيرة تمحضت للفن، وتعاملت مع الإبداع وجده، فبوّأت النصوص الأبية المنزلة التي تستحقها من غير نظر إلى غايات خلقية أو نفعية، فإن ذلك وجه آخر من القضية، وهو لا يعني أن النقد العربي مثل هذا المنزع، أو مثّله وحده على أقل تقدير ـ
لقد ظلّ الغالب ـ كما تشفت عن ذلك النصوص الكثيرة التي ساقها البحث، فطوى كشحًا عن نصوص أخرى كذلك ـ النظر إلى الشعر على أنه ذو وظيفة، وليس فنًا للفن، أو شعرًا للشعر، أو نشاطًا مجرّدًا عن الغاية، لا يأرب إلا بتحقيق الإمتاع والإطراب والتحليق في آفاق الجمال.
ثَبَت المصادر والمراجع:
1 ـ إحكام صنعة الكلام: للكلاعي، تحقيق د. رضوان الداية، عالم الكتب بيروت: 1405هـ ـ 1985.
2 ـ اختيار الممتع في علم الشعر وعمله: النهشلي، تحقيق د. محمود شاكر القطان دار المعارف، مصر: 1983م.
3 ـ الإتقان في علوم القرآن: السيوطي، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة: القاهرة 1394 هـ ـ 1974م.
4 ـ الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق د. عائشة عبد الرحمن، دار المعارف مصر.