فهرس الكتاب
وهذا المفهوم هو الجوهر الذي ركّزت عليه الخطابة الجدية؛ إذ"تُطلق لفظة حِجاج ومحاججة Argumintation عند بيرلمان وتيتيكاه على العلم وموضوعه، ومؤدّاها درس تقنيات الخطاب التي تؤدِّي بالذهن إلى التسليم بما يعرض عليه من أطروحات، أو أن تزيد في درجة التسليم. وربّما كانت وظيفته محاولة جعل العقل يذعن لما يُطرح عليه من أفكار، أو يزيد في درجة ذلك الإذعان إلى درجة تبعث على العمل المطلوب.. وعلى صعيد آخر يمكن القول بأنّ الحِجاج في ارتباطه بالمتلقِّي يؤدِّي إلى حصول عمل ما أو الإعداد له، ومن ثم سيكون فحص الخطابات الحجاجيّة المختلفة بحثًا في صميم الأفعال الكلامية وأغراضها السياقيّة، وعلاقة الترابط بين الأقوال، والتي تنتمي إلى البنية اللغويّة الحِجاجيّة" (20) ، فوظيفة الحِجاج ترتدّ إلى طرح الحجج التي تضمن النفاذيّة للخطاب اللغوي، وبالتالي حصول الاقتناع الفعلي بالقضية المطروحة. وهذا يعني توظيف الآليات التي تجتاز الاعتقاد الأوّلي نحو التغيير، وبناء الموقف المغاير.
وإذا كان الحِجاج يرتبط في أساسه بما تستدعيه أساليب إجراء اللغة، فإنّه من الضروري أن نشير إلى أنّ هذا الأمر لا يتوقَّف عند هذا الحدِّ؛ بل يأخذ بعين الاعتبار ما تقتضيه نوعيّة الخطاب من جهة، ومستلزمات المتلقي من جهة أخرى. فالغاية التي يتأسَّس عليها هي مجابهة العقول وإقناعها بالطرح المقدَّم، ولذا"فليس الحِجاج في النهاية سوى دراسة لطبيعة العقول، ثم اختيار أحسن السبل لمحاورتها، والإصغاء إليها ثم محاولة حيازة انسجامها الإيجابي والتحامها مع الطرح المقدّم. فإذا لم توضع هذه الأمور النفسيّة والاجتماعيّة في الحسبان فإنّ الحِجاج يكون بلا غاية وبلا تأثير" (21) . لندرك أنّ نظرية الحِجاج تتجاذبها جوانب مختلفة، لا تتعلّق باللغة فحسب؛ بل ترتبط أيضًا بالجانب النفسي والاجتماعي والثقافي، وغيره من المستلزمات التي تؤطّر وتسهم في إنتاج الخطاب اللغوي الحجاجي.