فهرس الكتاب
فممّا يخصّ المتكلِّم فإنّه يجب عليه التحكّم في الموضوع الذي يقدِّمه، وأن يوفِّيه حقّه مما تستدعيه الصياغة اللغويّة. وفي رحاب هذا التصوّر حذّر"بيرلمان"من خطأي الإفراط والتفريط، أو المبالغة أو الإهمال فيما يخص المسائل موضع النقاش والتحليل؛ أي"على المتكلِّم تقديم تصوّره في المساحة الملائمة له، ثم منحه القدر المناسب من الحجج التي لا يشكل إيرادها لدعم الموضوع مفارقة أو نشازًا؛ لأنّ تهويل الموضوع ومنحه مساحة أكبر من حجمه، ثم التوسّل بعد ذلك بجلّ الأطر المعرفيّة السائدة في بيئة معيّنة من أجل دعمه وإثباته هو أمر باعث على السخرية ومؤدٍّ لتهافت الحِجاج. وبالمقابل فإنّ عرض الفرضيات والتحليلات في الهامش أو أي الظلّ، وعدم الانتباه إلى أهميّتها في مقام الإلقاء هو بدوره دليل على عدم خبرة المتكلّم وتشوّش أفكاره، وهي كلّها أمور يدركها جلّ المعنيين بالخطاب، كما تدركها بوجه أفضل الأطراف المعارضة للخطاب؛ بل قد تعمد هذه الأطراف إلى التقاط تلك الهفوات وتوظيفها وإثرائها بما ترى أن المقام يستدعيه" (25) .
أما فيما يتعلّق بالمخاطب؛ أي متلقِّي الرسالة الإبلاغيّة ذات الحكم المعيّن فإنّه يستدعي مراعاته في الحِجاج. وقد أشار لغويُّونا إلى أنّ المخاطبين الذين يُلقى إليهم الخبر يصنّفون إلى ثلاث أصناف:
1.مخاطب خالي الذهن.
2.مخاطب شاكّ متردّد.
3.مخاطب جاحد منكر (26) .
والبيان الحِجاجي في إطار هذا التوضيح يرتبط بالصنفين الأخيرين، باعتبار أنّ الكلام معهما يستدعي توظيف تقنيات الحِجاج التي تدفع الشكّ أو الجحود أو التردّد لدى المتلقين.