فهرس الكتاب

الصفحة 23431 من 23694

يتَّضح في رحاب هذا التوضيح أنّ الصياغة اللغويّة ترتبط بالسياقات التي ترد فيها، وذلك بذكرنا عناصر معينة أو حذفها، ويكون لها أهميّة بالغة في الإبلاغ، كما نلاحظ أنّ طبيعة التأليف إيجازًا أو إطنابًا أو تجريدًا أو تأكيدًا تتأثّر بحسب المقام الذي ترد فيه. فمستويات التعبير تتنوّع بتنوّع الأحوال والمقامات، يقول السكاكي:"لا يخفى عليك أنّ مقامات الكلام متفاوتة؛ فمقام التشكّر يباين مقام الشكاية، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجدّ في جميع ذلك يباين مقام الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار..." (23) . فلو ركّزنا على هذا القول فإنّنا سندرك أنّ أشكال الاستعمال اللغوي في مختلف العلاقات الاتّصالية تتنوَّع بحسب مقتضيات الاتِّصال اللغوي، ولو تأمَّلنا أكثر العبارة الأخيرة واستحضرنا مقولة الحجاج الذي يتأسّس على الإنكار أو الشكّ فإنّنا نلاحظ أنّ البيان الحِجاجي يرتبط في أساسه بمستلزمات خاصة تستدعي التركيز عليها من أجل تحقيق التصديق والإقناع بالطرح المقدّم.

وذكر أرسطو أنّ هناك ثلاثة أنواع من التصديقات التي قد يلجأ إليها المتكلِّم من أجل الإقناع، يقول:"فأمّا التصديقات التي نحتال لها بالكلام فإنّها أنواع ثلاثة؛ فمنها ما يكون بكيفية المتكلّم وسمته، ومنها ما يكون بتهيئة للسامع واستدراجه نحو الأمر، ومنها ما يكون بالكلام نفسه قبل التثبيت" (24) . لنرى أنّ الحجاج في الاستعمال اللغوي يرتهن بمجموعة من المعطيات؛ منها ما يرتبط بالمتكلِّم، ومنها ما يتعلَّق بالمتلقِّي، ومنها ما يبقى على صلة بالرسالة اللغويّة نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت