فهرس الكتاب

الصفحة 23435 من 23694

قبل المضي في تناول البيان الحجاجي في القرآن الكريم من الضروري أن نرتكز على المعطيات الأساسيّة التي يتأسّس عليها الخطاب القرآني، والتي جعلته خطابًا حِجاجيًّا بدرجة أولى؛ لأنّه كما قلنا جاء ليبسط للعالمين عقيدة عالميّة، تقتضي بتوظيف الآليات الحجاجيّة التي تحتوي العقل الإنساني وتقنعه، وهذه المعطيات هي:

أ ـ الخطاب القرآني يسعى إلى"الإقناع"، وفي رحاب هذا الطرح فإنّه يأخذ بعين الاعتبار في كلّ القضايا المعطاة كلّ ما يمكن أن يعتقده المتلقِّي منذ البداية. ولذا فإنّه إذا ما حاولنا الغوص في آيات القرآن الكريم وآلياته التعبيريّة وأساليبه البلاغيّة وطروحاته المنطقيّة من قياس وبرهان وتمثيل فإنّنا نبحث في آليات الإقناع المنتهجة فيه.

ب ـ القرآن الكريم هو خطاب موجَّه إلى مخاطب كوني؛ أي أنَّه لا يتوسّل متلقِّيًا معيّنًا في زمان أو مكان مخصوصين؛ وإنما هو خطاب موجّه إلى البشريّة جمعاء، فهو غير مقيّد بزمان أو مكان، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَميعًا الذِي له مُلْكُ السَّماوَاتِ والأرضِ (( 31) ، فالرسول ـ ( ـ بُعث إلى كافة الناس.

ولذا فالقرآن الكريم يسعى إلى جعل العقيدة المبسوطة فيه إلى ديّانة عامّة غير مقيَّدة، وهنا نشير إلى أنّ"المخاطب المتخيّل هو دائمًا بالنسبة لمن يحاجج عبارة عن بنية ممنهجة نوعًا ما؛ أي أنّه يؤطِّر القول ويجعله ملائمًا لظروفه الواردة فيها، والمتكلَّم البارع هو الذي يستحوذ حذقًا وطواعيّة على مدارك المعنيين بخطابه أو بنصِّه طيلة فترة الاستماع في حالة الإلقاء، أو النظر التحليلي حالة القراءة" (32) . والقرآن الكريم في إطار هذا الطرح استطاع أن يؤثِّر على النفوس، ويستميل العقول من أجل التدبِّر في آياته ومعجزاته من أجل الاقتناع بمقاصده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت