فهرس الكتاب
أما الآية الثانية فتمثِّل الدليل العقلي على وحدانية الله تعالى، قال الرماني:"وهذا أبلغ ما يكون في الحجاج، وهو الأصل الذي عليه الاعتماد في صحّة التوحيد؛ لأنّه لو كان إلاه أخر لبطل الخلق بالتمانع بوجودهما دون أفعالهما" (71) . فلو قُدِّر إلهان فإما أن يتَّفقا أو يختلفا، فإن اتَّفقا على الشيء المعيّن فهو مقدور لهما، ومراد لهما، فيلزم وقوعه بهما وهو محال. وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما؛ أو يقع أحدهما دون الآخر والكلّ محال. فاتَّضح من كلّ أنّ الفساد لازم على كل التقديرات (72) . فلو تعدّدت الآلهة لما وقع الاتِّفاق؛ بل سيعمّ الفساد، وهذا ما أثبته الله تعالى في القرآن الكريم، قال جلّ شأنه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلاَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كلُّ إِلاَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُون (( 73) ، وقال أيضًا: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًَا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (( 74) ، فالله سبحانه وتعالى منزّه عمّا يقولون، فهو الواحد الأحد المنزّه عن الشريك والولد.
خاتمة:
بعد هذا العرض نلاحظ أنّ أهمّ شيء يقوم عليه البيان الحجاجي هو تقديم الطروحات التي تدعو العقول إلى التدبّر الموضوعي والواعي في القضايا المقدّمة، بغية بناء الرأي المعقول. فهو يمثِّل قوّة تدفع المخاطب إلى التفكير والتأمّل من أجل الحصول على الإقرار بحقيقة معيّنة، يتم ذلك بوساطة أدلّة مخصوصة.