فهرس الكتاب

الصفحة 23451 من 23694

إذًا؛ مكة المكرمة هي العاصمة الدينية والثقافية والاجتماعية لجميع المسلمين في كل زمان ومكان، وهي مهوى أفئدتهم، كما هي مستقر وحدتهم، ومجمع أخوتهم،"ولحكمة ما، لم تكن مكة المكرمة عاصمة سياسية لأي دولة من دولهم" ( [2] ) ، لأنها لو كانت كذلك لنسبت إلى سياستها وخصت بهم، ولأن القيمة الإيمانية أكبر وأشمل من القيمة السياسية، فقد ظلت مكة المكرمة عاصمة الإسلام بمعطياته الروحية والوجدانية كلها. إذ تعوّد المسلمون ـ منذ إشراق فجر الرسالة ـ أن يكون الحرم المكّي في موسم الحج موطنًا للقاء بين العالم والمتعلم، ومكان التلقي للمعرفة والتفقيه، فقد كان رسول الله ? خلال حجة الوداع قائمًا على التعليم والتثقيف، يُسأل فيجيب، ويتجمع حوله الناس فيبلّغ المعرفة والهداية،"إلا أن تفقيهه ذلك لم يكن ليصل إلى جميع المسلمين، فدعا الناس وهو في الخيف من منى إلى إبلاغ المعرفة وتداولها، والعمل على وصولها إلى الناس كافة، وإن المعرفة أمانة عندهم، عليهم إبلاغها لأيّ مسلم كان، وتلقيها من أيِّ مسلم كان، بشرط الصدق والإخلاص" ( [3] ) .

ومن هنا فإن مكة المكرمة ـ في موسم الحج وغيره ـ تشكّل ـ ولا تزال ـ صورة مركزة ومختصرة للعالم الإسلامي، وللمسلمين وأحوالهم بصفة عامة في شتى أنحاء العالم.

"فأحوالهم الدينية والفكرية والخلقية والاجتماعية كلها؛ تنعكس في مظاهرهم ومناسكهم ومعاملاتهم وسائر تصرفاتهم، فتعد مكة المكرمة ـ بحق ـ مرآة للمسلمين" ( [4] )

فقد روى الترمذي حديثًا:"قام رسول الله ? بالخيف من منى، فقال نَضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أسلمها إلى من لم يسمعها؛ فرُبَّ حاملِ فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".

ولما انتقل المسلمون إلى عرفات، ألقى فيهم خطبة الوداع، التي تعدّ هي أيضًا، مثلًا للإبلاغ من الرسول المعلم إلى عامة المتلقين من المسلمين الحجيج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت