فهرس الكتاب
وهكذا ارتبط موسم الحج من بدايات ظهوره ارتباطًا وثيقًا بالتثقيف والتعليم؛ كما ارتبط بتأصيل التعامل الاجتماعي وترتيبه. كل ذلك ينضاف إلى العبادة والسعي إلى التقرب من الله زلفى ونيل خيره وهَدْيةِ ومغفرته.
ودأب المسلمون مع ذلك منذ فجر الدعوة إلى يوم الناس هذا؛ فإذا مكة المكرمة تصبح عاصمة للثقافة الإسلامية ( [5] ) .
بين المكان المجرّد والمكان المعنوي: ( [6] )
إذا أردنا أن نتعرف على مكة؛ لا بد من ابتداء المعرفة انطلاقًا من البديهية التعريفية التي ترى فيها موضعًا أو مكانًا أو بقعة ارتسمت على خارطة جغرافية ما؛ بيد أن الموضع أو المكان أو البقعة نجده حاضرًا في الذهن، معروفًا أو بارزًا في الذاكرة، وبين الذهن والذاكرة تقوم وشيجة مع اللغة التي منحت ذلك المكان سمة (العَلَمية) وحولته إلى مصطلح رئيس في علم النحو، أي أن المكان المتعين في الأذهان الذي يعيّن مسمّاه تعيينًا مطلقًا، كونه مختلفًا عن غيره من المعارف من جهة الإطلاق هذه، لأن المعارف، غير العلم، تعين مسمياتها تعيينًا مقيّدًا بالصلة أو التكلم أو الإضافة أو الإشارة... الخ ( [7] ) .
هذه العَلَمية التي وسمت بها مكة؛ تعني أن موضوعها أو مكانها امتاز عن غيره من الأماكن أو المواضع، فدخل إلى التصوّر الذهني للمتكلمين بشكل معين ومحدد، وما دام أن الفكرة أصل والمعرفة فرعٌ، والعموم سابق على التعيين كما يقرر اللغويون والقياسيون؛ فإن تعيين (مكة) مكانيًا، مصاحب لخروجها من الطبيعة إلى الثقافة، ومن الجغرافية إلى التاريخ، ومن الجهل والعمى إلى المعرفة والوعي الإنساني، ومن الإطلاق إلى النسبية ( [8] ) .