فهرس الكتاب
وهكذا استحالت مكة ـ من خلال علمية التسمية لها إلى مكان معروف، والمكان ـ مطلقًا ـ يعني"بدء تدوين التاريخ الإنساني... ويعني الارتباط الجذري بفعل الكينونة لأداء الطقوس اليومية؛ للعيش، للوجود، لفهم الحقائق الصغيرة، لبناء الروح، للتراكيب المعقدة والخفية، لصياغة المشروع الإنساني" ( [9] ) .
وهذا المنظور ـ بالتأكيد ـ يحطم نظرية اسحاق نيوتن (1737م) Isaac Newton بخصوص المكان والزمان، الذي تصور فيها وجود زمان ومكان مطلقين، لا علاقة لهما بأي شيء خارجي عنهما ( [10] ) فأصبح المكان ـ وفق النظرية النسبية ـ لا ينفصل عن الزمان، وهما معًا متصلان بالأشياء والأحداث والظواهر الفيزيائية ( [11] ) .
وهكذا أصبح لمكة دلالة ثقافية وتاريخية، مثلما كان لها ولغيرها في كل مكان دلالات طبيعية وجغرافية واجتماعية ومادية.
بيد أنها تختص بثراء دلالي روحي وديني ينضاف إلى دلالتها الإنسانية والاجتماعية، ويؤسس لها، إذ ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ?إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى * فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين? ( [12] ) .
فتاريخ دلالة مكة يبدأ من رحلة أبي الأنبياء إبراهيم (ع) إليها، حيث أسكن فيها زوجه هاجر وابنه إسماعيل، ثم بنى مع ابنه الكعبة المشرفة، ودعا الناس إلى الحج إليها وفي جامع البخاري عن ابن عباس ?: إن إبراهيم (ع) ، جاء بها (هاجر) ، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت جانب دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة ـ يومئذ ـ أحد، وليس بها ماءٌ..." ( [13] ) ."