فهرس الكتاب
إذن؛ تتصل مكة بالطقس الديني المقدس في الوعي الإنساني. ويبدأ تاريخها بداية تصل فيها الأرض بالسماء؛ إذ أمر الله لنبيه إبراهيم (ع) ، وإذ شريعة الله للناس اقتفاء لسيرة إبراهيم، وهي سيرة تحيل مكة من مكان مجرد إلى مكان زماني، بسبب أحداث سيرته عليه السلام، وسيرة زوجه وابنه، ومعجزة ماء زمزم، وسعي هاجر بين الصفا والمروة والكعبة والحجر الأسود ومقام إبراهيم والمزدلفة، ورمي الجمرات بمنى، وفداء إسماعيل بذبح عظيم.
أحداث تصل مكة بوصفها مكانًا مجردًا بالزمان بوصفه حركة لا نتبينها بمعزل عن الموجودات والأشياء التي فعلها وحرّكها إبراهيم عليه السلام، تلك الأحداث تدخل بمكة إلى الكينونة والوجود أي إلى التاريخ، كما ترسم لها صورة معرفية، وظلالًا وجدانية حافلة بالقداسة وندية بالمعاني الروحية والتعبدية.
ولا تنفصل هذه الكينونة عما امتازت به مكة في التاريخ القديم، بفضل دلالاتها المقدّسة من مركزية ثقافية واقتصادية واجتماعية هيأت لأهلها سلطانًا معنويًا وماديًا، ما تزال أدبيات اللغة العربية قبل الإسلام تحكي دواله وشواهده.
يقول ابن الفقيه: إن أهل مكة لم يؤدوا إتاوة في الجاهلية قط، ودانت لهم خزاعة وثقيف وعامر بن صعصعة، وفرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزاودَ الحِلّ إذ دخلوا الحرم، وهم أعزّ العرب، يتآمرون عليهم قاطبة ( [14] ) .
ويقول أحمد بن فارس نقلًا عن إسماعيل بن أبي عبد الله:"كانت وفود العرب من حجّاجها وغيرهم يفدون إلى مكة، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم... وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها؛ إذ أتتهم الوفود العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيّروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصحَ العرب" ( [15] ) .
وفي الأغاني:"كانت العرب تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوه منها كان مقبولًا، وما ردّوه منها كان مردودًا" ( [16] ) .