فهرس الكتاب

الصفحة 23455 من 23694

ولابد أن نمر ـ ولو على عجالة ـ بالمستوى الإداري والاجتماعي، لنلتمس ما نشأ في مكة من فاعلية مدنيّة وحضارية تمثلت في التحاور والتشاور وعلى نحو ما نعرف عن (دار الندوة) وهي فاعلية تجسّد طبيعة المجتمع المدني الذي تتولد فيه الحاجة إلى التخطيط والنظام وابتداع آليات تحفظ عليه تماسكه وأمنه، ولقد ذهب المستشرق (لامنس lames) في كتابه عنها إلى أنها كانت جمهورية كجمهورية البندقية، ووقف طويلًا عند نظامها التجاري المعقد، والاجتماع بدار الندوة الذي يشبه مجلس شيوخ مصغر، ولم يكن يدخله إلا من بلغ أربعين سنة من عمره، ويختارون على ما يبدو تبعًا لثرواتهم، وخدماتهم التي يؤدونها، وينظرون في شؤونها التجارية والدينية ( [17] ) .

وتتواشج هذه الصورة لمكة مع معان وصور ذهنية حافلة بالأسرار والمعجزات التي تمنحها دلالات رمزية تجاوز المدلول المكاني إلى الثقافة والمعرفة، وتتخطى العقل إلى الوجدان.

فالجاحظ في كتاب الحيوان يفرد بابًا بعنوان: (ذكر خصال الحرم) ، يذكر فيه:".. إن الذئب يصيد الظبي ويريغه (يطلبه) ، ويعارضه، فإذا دخل الحرم كف عنه""وأنه لا يسقط على الكعبة حمام ما دام صحيحًا""وإذا حاذى أعلى الكعبة عَرَقَةٌ (جماعة) من الطير كاليمام وغيره، تفرقت فرقتين، ولم يعلها طائر منها".

ويمضي الجاحظ مستطردًا في هذا الباب:"إن المطر إذا أصاب الباب الذي من شق العراق، كان الخصب والمطر في تلك السنة في شق العراق، وإذا أصاب الذي من شق الشام كان الخصب والمطر في تلك السنة في شق الشام، وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر والخصب عامًا في سائر البلدان".

ويستطرد في القول:"إن حصى الجمار يُرمى بها في ذلك المرمى، منذ يوم حج الناس على طول الدهر، ثم كأنه على مقدار واحد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت