فهرس الكتاب
كما يبدو المكان في الشعر ـ أيضًا ـ قرينًا للمجتمع إذ هو الأساس الذي يمنحه قيمته، سواءٌ تعلق الشعر بمكان الحبيبة، أم بمكان الأهل والأسرة والوطن، أو بما تألفه النفس وتستأنس به، ولهذا قال دور كايم (1917م) EMIL DURKHEIM: إن المجتمع هو الأساس في تحديد مفهوم المكان ( [30] ) .
"ومعنى ذلك أن موضوعات الحديث عن المكان في الشعر التي تكرر الحنين إليه، أو تذكر ماضيهن ورموز تاريخه، أو تعكف على وصف أشيائه وتفاصيله وأجزائه، أو تنفذ إلى امتيازاته الدينية أو تتذرع به إلى وصف أهله، وما تربط الشاعر به من روابط، أو تتغنى بمواضعه، وتطلق مواجدها الروحية في بقاعه، أو تستعيد به ذكريات الطفولة والشباب، أو مجد الماضي ورغد عيشه واطمئنانه... كل تلك الموضوعات المكرورة ترتب المكان على الزمان والجماعة، ومن ثم تتوسل به في الشعر لإدراك الوجود والقبض عليه، وموضعه و (مَوْضَّعَة) مجردة في المحيط المحسوس؛ بذات القدر الذي تجرد فيه هذا المحسوس المكاني، وتطلقه من أسر المادة أي تصيّره زمنًا... في حركة عدول وإنزياح للصورة والرمز، حيث تحيل المكان إلى زمان، والزمان إلى مكان، فلا ترى الأشياء ومحيطها ومواضعها إلا في سياق التبدل والتحول، مثلما لا نرى التبدل والتحول والصيرورة إلا مشهودًا في الأحداث... ومُدللًا عليه بالمكان والمواضع والأشياء...." ( [31] ) .
هذا التصور للمكان ـ إجمالًا ـ في الشعر يبدو بمثابة خلفية ضرورية لتوليد أسئلة البحث عن مكّة في الشعر، وسبل تصويرها وترميزها شعريًا، فما هي موضوعات الشعر المكرورة في تناوله لمكة؟ وكيف تتلاقى دلالات مكة عند الشعراء، وما الذي يخص صورتها في الشعر عن غيرها من الأماكن والمواضع؟