فهرس الكتاب
لذا"حفل الشعر العربي برموز المكان وصوره منذ القديم، وتناثرت فيه الإشارة إلى أعلام مكانية وموضوعية، وبدا تقصّي الأشياء وتفاصيلها الحسيّة وعلاقاتها وجهًا من وجوه الحاسّة المكانية في الوعي الإنساني، واقترن ذلك بمعان عميقة تتجاوز الدلالة على المكان في ذاته إلى الدلالة على الوجود الإنساني، وهو يتأمل وحدته وغربته، أو يحنّ إلى الماضي ويتذكر الأنس والدعة والألفة، أو يقلق من علامات الإمحال والعدم والجفاف، أو يستشرف الخصوبة ويتطلع إلى الأمن.... وكل ذلك دوال وجودية تتعالق مع أحاسيس الزمن والحياة والموت والفراغ الروحي، وتحتال على الذاكرة والوعي بما يشبعها من المعرفة والصور التي تتخذ المكان ذريعة للقبض على زمن يفلت دومًا، من العمر" ( [27] ) .
ولا تنفصل في هذا المعنى دلالات وقوف الشعراء القدامى على الأطلال ( [28] ) عن دلالات الحنين إلى البلدان والمدن، والعكوف على وصفها، وبثها الأشجان، أو رثائها في أعقاب الكوارث أو التغييرات الزمنية والاجتماعية التي يجد الاستقرار الحضري فيها وجهًا مشابهًا للأطلال في تلك الدلالة، مضافًا إليها دلالات المجتمع الحضري في البيوت المتطاولة، والسكن الفاخرة، واختلاط أشتات الناس والانفتاح على التجدد، وانعقاد الجماعة على ما يؤسس لاستقرارها... والشعر العربي يطفح بمثل تلك الدلالات.
وهكذا يبدو المكان في الشعر دومًا مقترنًا بالزمان، بل يشكل المكان الجوهر أو الروح بالنسبة للزمان، وعلاقة الزمان بالمكان على رأي صموئيل الكسندر (1938) SAMUEL ALEXANDER كعلاقة الجسم بالروح، فلا يكون الأول إلا بوجود الثاني... وإذا استقل المكان عن الزمان كان ميتًا لا حياة فيه ( [29] ) .